عرض مشاركة واحدة
قديم 26-04-2008, 05:56 PM   رقم المشاركة : 33
ابن الجنيد
باحث وكاتب قدير






افتراضي العودة الأخرى..

لتلقي فيما بعد بساقية مشحونة بالتعاطف تجاه رشدي في أن الإمام الخميني أخطأ في حكمه على رشدي، وهو لا يمثل الشيعة كلهم، وإنما حدود مضاء فتواه هو الجماعة التي تقلده.. مع أنك بحاجة إلى أن تأخذ بعضاً من الثقافة الفقهية وليس التخصص الذي أبكاك في الفتوى ضد الرقص الشرقي بسبب عدم التخصص..

لو التفت إلى هذه المسألة بنوعٍ من الاهتمام، وهو البحث عن المسوغ الفقهي الذي اعتمده الإمام الخميني في أن يكون حكمه موجهٌ إلى جميع المسلمين، حتى إلى غير مقلديه، بل إلى غير الشيعة من المسلمين!!.

عندما تقول الولي الفقيه، فيجب ألا يغيب عن بالك أن ولايته وصلاحياته ليستُ هبةً من الناس له، وإنما هو موقعه كفقيه له تلك الولاية، أي ولاية القانون، فإذا كان ذلك الفقيه في موقع التصدي فإن الولاية الإجرائية له كالولاية التي للسلطة التنفيذية، تتحرك بسعة ما يعطيها القانون من حركة.. مع فارق أن الناس هم من سن وصوت على القانون، فيما في المسألة الدينية الله هو مصدر التشريع، والنص الشرعي هو مصدر التشريع، وهو مدار الاستنباط، ولذلك فإن الجهة المكلفة بفهمه وقراءته هم الفقهاء، وهم من خلاله نشأت تلك الولاية لهم، مع ملاحظة الاختلاف في القراءة من فقيهٍ لآخر، ولكن عند بسط اليد لا يحق لفقيهٍ أن يفعِّل قراءته وإن تحركت باتجاه الصدام مع الولي الفقيه المبسوط اليد.. هو هذا الفقه، وهذا منشأ تلك الولاية..

مصدر الولاية التي للفقيه، هي الخطاب الشرعي، وفيها يفترض أن نبحث حراكها وسعتها، وللتنبيه فإن الفقهاء الشيعة على اختلافهم في مسألة ولاية الفقيه، فإنهم لا يجيزون نقض حكم الحاكم الشرعي، ولو كان الثاني أعلم، وإن اختلفوا في مسألة نفاذ الحكم في القضاء والموضوعات، إلا أن بعضهم يقول وإن لم أرَ نفاذ حكمه في الموضوعات ولكن نقض حكمه يسبب الهرج والمرج فهو حرام..

وهنا لا أقل أن الإمام الخميني يرى هذا الرأي وهو يعمل بمقتضى رأيه الشرعي، مضافاً إلى الحكم الشرعي في المرتد، وشاتم النبي(ص) والأئمة الطاهرين، في أن حكمه مجمع عليه بين المسلمين، حتى أن المجمع الفقهي الإسلامي في جدة قال بأن حكمه حكم المرتد، وإن لم يقل أو يأمر بالعقوبة للضغوط التي نحن نعرفها.

فإذن موقف الإمام الخميني مثَّل الموقف الفقهي الإسلامي، وإن لم يمثلهم سياسياً، وهذا الموقف لا يحتاج إلى تخويل من المسلمين؛ لأنه حكمٌ شرعيٌ وليس قراراً سياسياً، كما أن المسلمين لا يتعاملون مع الفقهاء بعنوان الممثل كما هو الحال مع السياسي.

فيما عبارتك المهلهلة الساخرة التي تقول: هل تتوقع من بريطانيا أن تقول سمعاً وطاعة أيها الولي الفقيه، خذ سلمان رشدي واقتله وسلم لنا جثته!!..

يا أستاذ.. بهذه العبارة حقاً أثبت أنك لست قارئً بما يكفي في السياسية، وبعبارتك المتعلقة بتمثيل المسلمين أثبت أنك لا خبرة لك في الفقه، فلو تركت السياسة والفقه لمن يجيدون التعاطي معه بما يفرضه خوضك لها، لكفوك مؤنتها، ولكن بما أنك تعيش محنة الرجل المهذب، والفكر الأنيق، والأدب الرشيق، فبالتأكيد سينسيك عُدة خوضك هذا الموضوع بما فيه الكفاية..

الإمام لم يتصور البراءة في بريطانيا ليتوقع ذلك، ولو تصورها لكان في منتهى السذاجة، والسذاجة الأكبر النظر للإمام بهذه النظرة.. حيث ذلك الإنسان الذي خرج من الدائرة الضيقة وفي ظل العمل المتناهي في الاحتراف والقسوة للنشاط الاستخباراتي في العالم ليقيم دولة تبدأ صغيرة لتخرج من أعتى التجارب لتكون رقماً صعباً في كل ظروفها، لا يمكن وصفه بالسذاجة، إلا إذا قبلنا بأن كل ساسة العالم الذين استهدفوه كانوا أكثر قادة الدول الكبرى سذاجة في التاريخ..

إذن الإمام لعلمه أن بريطانيا لن تفعل ولن ترضى منه ذلك، وأن هذه الخطوة لا يمكن للدولة الإيرانية أن تقوم بها، فإنه قام بإصدار حكمٍ بأعدام رشدي من موقعه كفقيه، وموجهاً نداءه للمسلمين وليس للساسة..

ولولا محنة الفكر الأنيق التي عشتها لوقفت وقفة إجلالٍ لقائدٍ من العالم الثالث يصدر حكماً بأعدام أحد رعايا دولة عظمى، فإذا بتلك الدولة تعيش في حيرة.. نحن شهدناه كلنا.. فلم تحرك الأساطيل، ولم تطلق الصواريخ، ولم تفعل سوى الاستعانة بدول الاتحاد الأوروبي والتهديد بالمقاطعة!!.. لتقوم تلك الدول بسحب سفرائها كمقدمة لخطوات أكثر، وأشد، إلا أنها لم تتحمل خسارة الكنز الإيراني، الذي على ما يبدو تعالي الخشية من الاستغلال الأمريكي أن تبادر إلى ملء الفراغ، ليرجعوا بعد أسبوعين صاغرين!!.. ويبدو أن إيران محترفة في إذلال الأوروبيين.

من ذلك أيضاً عندما اتهمت محكمة ميكونوس الألمانية السيد الخامنئي والشيخ الهاشمي الرفسنجاني والشيخ علي فلاحيان بتدبير قتل أربعة أكراد من خلال شهادة أبو الحسن بني صدر الذي ترك إيران منذ بداية الثمانينات.. حيث سحب الاتحاد الأوروبي سفراءه مرة أخرى، وأظن أنه يريد أن يجرب المسألة مع إيران الخامنائية، إلا أنه تعرض لمذلة أشد، حيث رفضت إيران كل مطاليبهم، وعندما تراجعوا، وطالبوا بإعادة سفرائهم، قبلت إيران على أن يكون آخر السفراء عودة هو السفير الألماني!! على ألا يستقبله أحد في المطار!!.. ولغباء هذه الدول واستمرائها المذلة قبلت، وفوراً أرجعوا سفراءهم بالطريقة التي أرادتها القيادة الإيرانية..

ولا مزيد على ما قلناه.. ففي ذلك كفاية..

لنرحل مع (( المسبة والعار)) التي أرقتك كثيراً، وكأننا العراة أمام محتشمين!!.. حروب أوروبا مع بعضهم البعض.. نابليون.. هلتر.. موسليني.. تشاوشسكي .. سلوبودان ميلسوفيتش، وكرداتيش وقادة مذابح البوسنة والهرسك، الذي بلغ فيه إذلال الأمم المتحدة أن يقوم الصرب بربط جنود الأمم المتحدة في أعمدة الإنارة، فيما تستخدم أمريكا حق النقض الفيتو لمواجهة إدانة شكلية لإسرائيل بسبب جريمة قانا.. فيتنام لا تشكل عاراً لأمريكا.. أفغانستان لا تشكل عاراً على الاتحاد السوفيتي، ولا مذابحهم في دول الاتحاد في حرب لينين وستالين لا يشكل عاراً.. كل ذلك وما تركناه أو نسيناه أكثر من ذلك بكثير لا يشكل عاراً، ليحرجك ويخجلك فقط حكم الإمام الخميني أو فتوى من يترك السنة لأننا نفعلها!!!.. مع التذكير أن الدكتاتوريات التي تخجل منها وتحسبها على الإسلام والمسلمين يرزح شعوبها تحت نير القهر والاستبداد هي حليفة وصديقة وممولة فكراً وأداةً من قبل أمريكا وأوروبا لكل ذلك القهر

المخجل مخجل، سواء كان في إظهار الخلاف بطريقة بدائية، أو إقامة حرب عالمية لسبب أقل ما يقال عنه تافه.. أو من أجل الانتصار في الحرب تحرق هيروشيما ونكازاكي..

السياسة في أوروبا أسقطت الكنيسة، وثروات منطقة الشرق الأوسط الطبيعية وتفاني قياداتها في التمسك بالسلطة، واستخدام كل الأدوات المساعدة على ذلك كان بدفعٍ من الدول الاستعمارية المتحضرة!! مع عدم نسيان شهوة عشاق العروش في منطقتنا للتماهي مع الرغبة الغربية في أهدافهم، إلا أن هؤلاء لا يمثلون ديناً ولا عقيدةً، وهؤلاء هم الذين لا يمثلون المسلمين، وكان عليك أن تتألم لأن هؤلاء يقودون شعوبهم إلى دار البوار، وهم لا يمثلونهم، ولا بأي صفة كانت..

أما أين يظهرون خلافهم، فاشتداد الخلاف هو بحجم نوع الحضور وفاعلياته في حياتهم، ولا وجود للدين في حياة الغربيين إلا في الكنائس وبعض الطقوس، وبالتالي لن تجد خلافاتهم مهمة في المسألة الدينية، إلا أنها في الشأن السياسي كارثية، أشد مما هي عليه في الدين.

منطقتنا التي يتصاعد فيها العنف تمول 70 إلى 80% من الطاقة في العالم لن يقبل الغرب أن تكون بيد من لا يرى الحق له في الاستحواذ عليها، ويفرض عليه الشروط، وينسى أنه أقام الامبراطوريات على حسابنا.. أم أن الدكتور تجاهل سايس بيكو، وبيرسي كوكس، واقتسام النفوذ..و .. و.. وكل وكالات الاستخبارات العالمية لا تعمل بكامل طاقتها إلا في منطقتنا.. لتمول أمريكا الجماعات المسلحة كطالبان، ثم تسقطها، وتمول صداماً ثم تسقطه، وتثير الحروب أو تمولها.. لتكون تلك الدول مسؤولة عن ضحايا العنف بشكل مباشر أو غير مباشر..

يوم لم تكن منطقتنا مصدر الطاقة كان الغرب يحترب مع ذاته بما هو أقسى، ولو عاد، فإن ثقافته التي يحاول تسويقها لنا الآن لن يكون لها حضورٌ في إدارة معركته مع نفسه.. فإما أننا نجد تصاغر دولة أمام أخرى، أو تهديدها بالسلاح النووي..

أما حكاية أن أمتنا تعين على نفسها، فهذه تصلح أن تكون نكتة الموسم.. فهذه المصادر كانت موجودة يوم كانت تبسط الإمبراطورية العثمانية سيطرتها على ثلث أوروبا.. وكانت هذه موجودة عند أصدقاء أمريكا الذين تعتبرهم أمريكا أكثر إنسانية من خصومها من قوى التحرر..

النصوص التي تتحدث عن إعانتها للغرب علينا كانت موجودة عند طالبان يوم كانت أمريكا تمولها.. وهي موجودة عند قوى التحالف الشمالي سابقاً والحاكم حالياً، بل إن الشعب العراقي يريد أن يعاقب الدموي علي كيماوي، وأمريكا ترفض تسليمه!!.. وإن كانت ترفض الإعدام، فلتعالج هذه المسألة في الولايات التي تطبقها في أمريكا..

ليس بالضرورة وجود نصوص تعين-كما تقول- الغرب على أنفسنا، فلو تخلصنا من نصٍ هنا وهناك، أو قلنا بأنه موضوع، وهذه الدراسات موجودة، إلا أن إتلافها ليس منطقياً، فقد يكون التعاطي معها لمناقشة مرحلة من المراحل، أو معرفة الدخيل من الأصيل من خلالها، أو معرفة نوع من الأنسقة التي تتحرك في تلك الحقبة، ومن خلالها نعرف أيضاً الرجال الكاذبين والضعفاء، الذين قد يكونون في سند بعض الروايات، وقد نقبل رواية يكون فيها بعض الضعفاء، إلا أن العمل بها يجبر ضعفها، وقيمتها كبيرة، نظير كفارة خمش الوجه جزعاً، ومع ذلك ليس هذا ما أقصده.. فهناك نصوص من القرآن الكريم يستعين بها الغرب للوصول إلى غاياته، وذلك من خلال ابتسارها أوتوجيهها لما تريد..يقول أمير المؤمنين لابن عباس: القرآن حمالٌ ذو وجوه..

حيث فيه عدة الخارجي.. وفيه عُدَّة السلفي، وفيه عُدَّة المعتزلي، وفيه عُدَّة الشيعي، وفيه عُدَّة الأشعري..

لماذا؟!.

لأن القرآن لم يكن إصداراً خوارجياً، ولا إصداراً سلفياً، ولا إصداراً اعتزالياً، ولا إصداراً شيعياً، ولا إصداراً أشعرياً.. وإنما هو وحي الله، وهذه المذاهب تولدت نتيجة فهمها لنصوص القرآن بما ينسجم مع قابليتها الذهنية واستعدادها الفكري والنفسي، لتفسرها على ضوء الواقع الذي تعيشه..

هذا الحال لا يُستثنى منه المعادي للإسلام، من خلال عملية الابتسار أو التوظيف الخاطئ أو التوجيه المتعمد..

أما لماذا لا يشعر المسلمون بالخجل من تلك النصوص، فأنا لا أدافع عن هذا أو ذاك، إلا أنني أفهم أن احتفاظ بعض المسلمين بتلك النصوص لأنهم لا يفهمون أنها تمثل مثلبة أو إدانة بالنسبة لدينهم، وإنما تفسيرهم لها أو فهمهم لها أنها خلاف ذلك تماماً، إما لأن مناسبة النص التي تستعرضها مصادرهم تقدم الصورة على أنها تعظيماً وتقديساً، أو أن فهمهم على تلك الطريقة هو ما قام عليه تاريخ طائفتهم كما هو نص مناسبة أسرى بدر، أو صلح الحديبية، أو أنها لا تشكل قوام عقيدته، فلا يوليها اهتماماً ليتفاجئ بها أداة إدانة عند خصومه.. لو شعر هذا أو ذاك بأنها تمثل إدانة أو إهانة لدينه ونبيه وتارخه فإنه بالتأكيد لن يحتفظ بها.. وهنا لا يمكن أن يتحرك لمراجعتها بناءً على ضغطٍ من هذا النوع، لأنه يشعر أن ما يدفعه ليس مقتضى التزامه العقدي، وإنما خوفاً من رشدي ووفاء سلطان، وهذا يضاعف إحساسه بالممانعة ومرابطته عند موقعه.. فوجود النص لا يعني الالتزام بحرفيته، وإنما الذي يجب الالتفات إليه هو حضوره في صياغته العقدية له.. إذ بعض النصوص على رغم وجودها إلا أنها لا أثر لها في عقيدته، نظير روايات الوضوء في مصادر السنة(( الوضوء غسلتان ومسحتان))، إلا أن الالتزام العقدي والفقهي لدى أهل السنة هو الغسل في كل مواضع الوضوء، ووجود نصٍ بحرمة المتعة إلا أنه يتعارض مع نصوص الالتزام الشيعي بها، ولذلك مباحث طويلة في الأصول في باب تعارض الأدلة الشرعية، والتعادل والتراجيح، وما إلى ذلك..

أما مقولة أن الغرب غلف جريمته بالأمم المتحدة ومجلس الأمن، ليكون أفضل منا في الجريمة، فهذا مكان آخر للضحك.. فإذا كان لديه مجلس الأمن، والأمم المتحدة وحق النقض الفيتو، فكيف لا يمارس الجريمة من خلال تلك الأدوات.. وبالمناسبة أكثر من يمارس الجريمة ويحترف فيها هم أصدقاء وحلفاء الغرب.. فالغرب يلعب بهذه الورقة بما تمليه عليه مصالحه مع حلفاءه.. فلا داعي للإطالة هنا..

وأما بشأن ارتكاب الجريمة باسم الله وباسم محمد ، فما شاء الله على هذه اللفتة، والغيرة.. وكأنك نسيت أن احتلال بلدين وتدميرهما(( أفغانستان والعراق))، لم يكن باسم الله والمسيح!!..

إن جورج بوش الابن يقول أن الله أمره بذلك.. والمسيح أمره.. بل في خطاب بوش عودته للحروب الصليبية التي تدعي أنها حروبٌ مقدسة وإلهية..

 

 

 توقيع ابن الجنيد :
سأظل أردد باحتراق ... آه آه إباجواد
ابن الجنيد غير متصل