لماذا لا تحاسب وفاء سلطان؟!.. ولماذا لا تصدر فتوى بحقها كما صدرت بحق سلمان رشدي؟!..
سؤال جدير بالاهتمام.. ولكن كان يفترض به أولاً ألا يتجاهل المقدمة التي دفعت إلى فتوى القتل.. ففتوى الإمام بحق رشدي ليست فتوى تكفيرية.. لأن سلمان رشدي لا ينفي كفره، ولا يستطيع أحدٌ أن يقول غير ذلك، فالإمام لم يسن شيئاً جديداً.. فالفتوى إذن تكلمت عن واقع لا يستطيع أحد أن ينكره، والاختلاف فقط إن كانت موفقة أم لا؟!..
الإمام أراد بتلك الفتوى أن نقف دائماً كما هو موقفها، ولو رجعنا إلى ذلك الوقت، وكنا معاصرين له، فإن بريطانيا وكل الجهات التي كانت مساندة لرشدي، لم تكن تبالي بالمطالبين بالحوار، أو بالمناقشة، أبداً.. وإنما كان يعنيها فقط موقف الإمام الخميني.. وعلى ضوئها سحبت دول الاتحاد الأوروبي سفرائها من إيران، وقالت بأنها لن تعود حتى يتراجع الإمام عن فتواه، ولكن الإمام لم يهتم، وإيران لم تهتم لذلك، فاضطرت دول الاتحاد الأوروبي إلى إعادة سفرائها صاغرة .. هذا الموقف العظيم.. ماذا حصل لكي يجعلنا لا نوجد قوة وجداراً صلباً في مواجهة هذه الهجمة الشرسة؟!..
في ظل تلك الظروف، وفي موقف الإمام الخميني لم تستجب إلا الشعوب لأنها شعرت حقاً بحجم الإهانة ومستوى الجرأة عليها، ولكن الحكام يعيشون ذواتهم، وكراسيهم.. كما هم الآن يعيشون تجاه القضية الفلسطينية، فهم في الوقت الذي ينددون في كل مؤتمر بما أسموه بالاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث، مع أنها مسألة خلافية عولجت باتفاقية عام 1971م ما بين إيران الشاه والشارقة، فيما يدفعون الفلسطينيين ليس فقط للتنازل عن 78%، وإنما على رغم تآكل الـ22% المتبقية إلا أنهم يشاركون إسرائيل في دفع الفلسطينيين لتقديم المزيد، ويصمتون إزاء المجازر والحصار الذي يمارس ضد الشعب الفلسطيني؟!..
ولذلك صدرت في تلك الأيام أقلام من داخل البيت الإسلامي تدين موقف الإمام الخميني، وهي معروفة توجهاتها، كما يسميها العلامة المرحوم الشيخ الوائلي بأنها أبواق نفط.. ومنها مطالبة نجيب محفوظ بمحاكمة الخميني، نشر ذلك في جريدة السياسة الكويتية، وقيام بعض الجهات بتخطئة الإمام الخميني، وادعائها بأنها بالحوار يمكن أن تحل هذه الإشكالية..
ما وقعوا فيه هو أن الغرب وجد من خلالهم إمكانية اختراقنا ونقل المعركة إلى الداخل، وأعتقدُ أنهم لم ينجحوا بالدرجة التي كانوا يرجونها، إلا أنهم ظلوا يراهنون على أولئك الذين يمكن أن يخترقوننا من خلالهم، وذلك لتوسيع نطاق النجاح..
وهذا ما جعل موقفنا هشاً يمكن أن يأتينا من تلك الجهات الهشة.. فالغرب يقتات على ثرواتنا الطبيعية.. فهل دفعنا ذلك إلى عمل حلف اقتصادي كبير كما هو دول الثمان الإسلامية التي طرحها رئيس الوزراء التركي الأسبق نجم الدين أربكان؟!.. ليغطي كل منا ضعف الآخر؟!.. أبداً.. فرغم الحصار اللا إنساني والمفرط في الوضاعة والقذارة الجاري الآن ضد أهلنا في غزة فإننا نجد الموقف المصري يحرض الداخل الفلسطيني باتجاه الانقسام من خلال موقفه العلني أن حماس لا تصلح أن تكون في حكومة وحدةٍ وطنية، لأنها ستكون ضد التسوية؟!.. ولا أدل من أن سيناء التي لا وجود للأمن المصري فيها يتواجدون الآن على الحدود مع غزة، وهم جاهزون لتكسير أرجل الفلسطينيين بالدخول فيما الإسرائيلي يدخل إلى سيناء بدون تأشيرة دخول!!!..
من هؤلاء تم اختراقنا، ومن هؤلاء تم المراهنة على هزيمتنا، وليس لفتوى الإمام الخميني ضد رشدي.. الإمام أراد بفتواه تلك أن نقف صلبين أمام هجمتهم، وأن نقف موقفاً يثبت أننا أمة لا تقبل الإهانة؟!.. فهل تحاور الأمة متسكعين على قصاع أعدائها لتثبت لهم أنها ليست كما يتصورون؟!..
لو جاء رئيس دولة ولم تقم له المراسيم البروتكولية لاستقباله، واستقبله أصغر مسؤول في الدولة المضيفة، فإنه قد يتولد عن ذلك حرب بين البلدين يعلم الله من سيكون ضحاياها؟!..
أتذكر أن بعض الدول قطعت أو هددت بقطع علاقاتها مع قطر بسبب برنامج في الجزيرة، في حين أن إسرائيل تهين تلك الدول نهاراً جهاراً، ويقولون لا نستطيع أن نقطع التواصل؛ لأن ذلك سيمنع من إيصال الفكرة إلى الإسرائيليين، وسيجعلهم يوغلون في عدوانهم.. فإذا هذا الذي يريد أن يخفف من وطأة العدوانية الإسرائيلية لا زال في علاقته مع إسرائيل، ولا زالت إسرائيل تمارس عدوانيتها بأقصى إمكاناتها..
إن معاوية عندما أراد أن يكسب معركة صفين وسيف مالك الأشتر على رقبته افتعل قصة المصاحف، واشتغل على العقول المهترئة التي يمكن خداعها بسهولة.
فإذن المشكلة ليس في فتوى الإمام الخميني، وإنما في الموقف السلبي لقطاع كبيرٍ من المسلمين تجاه هذه الفتوى.. ليظهر علناً تجاهلنا لذلك الموقف، وأبرزنا خطاباً عدائياً تجاه الإمام ليخرج لنا من داخل هذه الأمة من يريد أن يحاكم الإمام على موقفه، ناهيك عن الرسائل الخاصة التي تطمئن الغرب بخصوص ردات فعلهم، وقدرتهم على السيطرة على الوضع، كما حدث في باكستان حينها، حيث قتل أربعة من المتظاهرين المحتجين، والعجيب أنه تظاهر في بريطانيا مكان إقامة سلمان رشدي مائتي ألف وقد تعرضوا للضرب والاعتقال، وفُرقت المظاهرة، ولكن لم يُقتل أحدٌ من المتظاهرين، في حين في بلد إسلامي يفترض أن يقوم هو برعاية المظاهرة يقوم بتفريق المظاهرة، ولشدة عنفه تجاهها يُقتل أربعة من المتظاهرين؟!..
وفي أكثر من بلدٍ إسلامي كان موقف الحكومات هو هذا..
إن غفلة الدكتور سلامة عن حقيقة ودوافع فتوى الألباني أو تجاهل دوافعها يكرس هذا الاعتقاد من أننا بموقفنا اللا أخلاقي هذا هو ثغرة نؤتى من خلالها.. وإلا فإن هذه الفتوى لم تكن خاصة بالإمام الخميني لنقول يجب معالجة الخطاب التكفيري، والذي يأتي الدكتور سلامة ليتهم الإمام الخميني بأنه هو من فتح الباب على هذا الجحيم.. وقد قلنا بأن رشدي نفسه لم ينكر بأنه يكفر بالإسلام وبشرائعه، ولم يختلف في هذا لا سلفي ولا شيعي ولا أباظي.. فإذن المسألة ليست كما صورها الدكتور سلامة.. ففتاوى التكفير لا تخص شخص الإمام الخميني، ولم تكن من تاريخ الفتوى.. فرائحتها كما قلنا وقال الشيخ الوائلي رائحة النفط.. وإلا هل كتاب الإمام الخميني أو فتوى للإمام الخميني تجاه أحد ليصدر كتاب(( وجاء دور المجوس))، أو كتيب(( لماذا كفر علماء المسلمين الخميني))؟!..
تلك الفتاوى لم تكن جديدة ولا تخص الإمام الخميني وإنما كل الشيعة، وقد قتل زوار الحسين(ع) قبل مائتي عام وهدم قبر الإمام الحسين(ع) بهذه الفتوى.. بل قتل شيعة حلب بهذا النحو من الفتوى، حيث كانت فتوى الشيخ الحنفي بكفر الشيعة ولو تابوا فلا تقبل توبتهم، لأنهم يسبون الشيخين..
وفي الاتجاه نفسه والتي تذكرنا بخوارج عصر أمير المؤمنين(ع).. حيث جواز الصلح مع إسرائيل، وفتوى حرمة العمليات الاستشهادية، وكل شيء تريده أمريكا فإن جماعة الألباني وخلفاؤه وورثته الذين كفروا بمعيته الإمام الخميني حاضرون بقوة.. بل حتى مقاطعة البضائع الأمريكية في ظل الحرب العدوانية لأمريكا ضد الإسلام والمسلمين تصدر فتاواهم بأن من يقر هذا هو ولي الأمر..
ولم يحصر تيار الألباني وجماعته مشروعهم التكفيري بالشيعة وإنما شمل كل المسلمين الذين ليسوا على طريقتهم، وعليك بالاطلاع على كتاب التوحيد للصف الثالث الثانوي لتعرف ذلك، وقد تعرض لهذا الإسفاف الأستاذ الشيخ حسن فرحان المالكي في حلقة على قناة الـ art بالتفصيل، وأقر بأنهم يصالحون الكفار ويظهرون حسن النوايا تجاههم، ويسلون سيف التكفير تجاه من يخالفهم من المسلمين، ويقولون نحن لا نكفرهم، وإنما نذكر حكم أعمالهم.. حلقة شيقة بمعنى الكلمة كانت..
وفتوى تكفير الإمام الخميني التي صدرت من الألباني كانت من خلال تحريف كتاب(( كشف الأسرار)) الذي ألفه كسروي للطعن في الإسلام وعقائده في كتابه (( أسرار ألف سنة))، والمسلمون لا يعيرون اهتماماً لفتاوى التكفير السلفية، في حين وقفوا موقفاً تضامنياً مع الإمام تجاه رشدي.. فساء ما تحكمون يا دكتور..
فمن موقف الألباني وجماعته والحكام المسلمين كانت رسائل الأمان والتصالح مع الغرب ورشدي وآياته الشيطانية؟!..
لو كنا في مواقفنا مجتمعين كما كان موقف الإمام الخميني ما ظهرت وفاء سلطان ولا تسليمة نسرين، ولكن فينا من يشتغل بالأدب ويطالب بمحاكمة الإمام الخميني.. فالروائي المصري نجيب محفوظ الذي حاز على جائزة نوبل على روايته(( أولاد حارتنا)) والتي قرأتها واطلعت على صلتها الوثيقة بثقافة (( آيات شيطانية)) طالب بمحاكمة الإمام الخميني لأنه أصدر فتوى ضد سلمان رشدي الأديب، ولا عجب في ذلك، فهو يدفع عن صاحبه الضيم، ولكن لو أنه طالب بمحاكمة أنور السادات لخيانته لأمته لذهب مع الريح.. فسكوت حكومته أعطاه مؤشراً أنه في مأمنٍ في دعوته، هذا إذا لم يكن مدفوعاً لها.
وكما يقال بعد أن قال ذاك: إنه يهجر، قال النبي(ص) قوموا، لا ينبغي الاختلاف عند نبي، فما دام من وهَّن الموقف الأخلاقي والرجولي تجاه تلك الجرأة المدعومة من قبل الغرب وخذلان المسلمين ، فلن يكون هناك مجالاً لفتوى أخرى؟!.. أساساً لو تضامن الجميع مع الفتوى بحق رشدي، لعلمت وفاء سلطان أن الطريق أمامها مسدود، ولا يحميها من وقاحتها شيء..مع ملاحظة أن الإمام أراد أن يعيش المعركة ليس هو فقط، وإنما المسلمون أنفسهم، لينتبه الغرب بأنه ليس فقط من سيواجهه وإنما المسلم في المغرب والمسلم في ماليزيا والمسلم جنوب أفريقيا.. ولكن ما شاء الله لدى الغرب من يكفيه مؤونة الإمام الخميني.. فلا حول ولا قوة إلا الله.
أمرٌ آخر، إن أي أمة تتعرض لإهانة بهذا الحجم، وتكون ردود فعلها أن يذهب بعض أهلها ليطيبوا خاطر المعتدين، فإنها لن تحفل بالأمان، وكما يقول أمير المؤمنين(ع) ما غُزي قومٌ في عقر دارهم إلا ذلوا..
الغرب يحاكم ويسجن، ويشن حرباً إعلامية شعواء وقاسية جداً على من يناقش حقيقة وقوع المحرقة، ونحن نهاجم الإمام الخميني لأنه أزعج العم سام وجعل الغرب يغضب لغضبتنا.. كان على الخميني ألا أن يعلم أن هناك قسماً كبيراً في هذه الأمة لا يشعر بالإهانة ولا بالحرج من أن يمتدح شاتم مقدساته.. فـ: من يهن يسهل الهوان عليه... ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ..
عموماً للإشارة: للمرتد شكلان.. مرتد فطري، ومرتد ملي.. والمرتد الفطري الذي هو أبواه مسلمان، وكان مسلماً ثم ارتد، فإن حكمه القتل، وإن تاب كما هو عند الإمام الخميني، وعند بعضهم إذا تاب تقبل توبته، وللتذكير فإن سلمان رشدي أعلن توبته في حينها، وهو اعتراف منه بجريرته..
فيما الإمام يعتبر الحد موقوفاً عليه، فإنه وإن قبل الله توبته فإن الحكم لا يسقط عنه، كما هو في حكم قتل القاتل، فإنه وإن تاب فإن الحكم لا يسقط عنه ما لم يُسقطه عنه ولي الدم.
وأما المرتد الملي فهو الذي يُسلم ثم يرتد عن الإسلام فإنه هنا يستتاب، ولذلك أحكامه يمكن الرجوع إليها..
مع أن الإمام الخميني لم يتناول في حكمه موضوع ارتداد رشدي، وإنما قال: ((أعلن للمسلمين الغيارى في كافة أنحاء العالم أن مؤلف كتاب((الآيات الشيطانية)) الذي أُلِف وطُبع ونُشر ضد الإسلام والرسول الأعظم والقرآن الكريم وكذلك من نشره وهو مطلع على مضمونه يحكم عليهم بالإعدام)).
وأما تفسير الدكتور السلامة أن ذلك سياسة في سياسة، فلو أتعب نفسه واطلع على الحكم ومبانيه، ومقاصد الإمام منه، وأنه لم يكن أصلاً لا في العاجل ولا في الآجل مكسباً سياسياً لإيران من خلال ذلك الحكم لكان أجدى له من أن يقرفنا بالحديث عن أناقة فكره ورشاقة أدبه، وأهدافه الإصلاحية..
وإشارة أخيرة إلى دعوى تراجع إيران عن الفتوى.. فهذا غير صحيح، والذي ظهر في عهد الرئيس خاتمي أن النظام السياسي لا يتبنى مشروع قتل المرتد رشدي، وهذا لم يكن في زمن الإمام الخميني، فخطاب الإمام الخميني لم يكن إلى أجهزة النظام الأمنية أو العسكرية، وإنما هكذا: ((أعلن للمسلمين الغيارى في كافة أنحاء العالم)).. ثم يقول في قراءته لمشروع الحكم(( كي لا يتجرأ أحد على إهانة المقدسات الإسلامية))..
وكي لا يعود بنا سلامة إلى الكاريكاتير الدنماركي والفيلم الهولندي، فقد قلنا إن ذلك بسبب الخذلان.. والموقف غير المسؤول الذي صدر من داخل البيت الإسلامي تجاه فتوى الإمام الخميني.
وللتذكير فإن الحكم لا يجوز للرئيس خاتمي أو نجاد أو غيرهما أن يسقطه، وإنما هذا حق بيد الحاكم الشرعي الفقيه العادل المتصدي، وهو الإمام الخامنئي، ولم يصدر من الإمام الخامنئي تراجعٌ أو تلميح إلى هذا المعنى، ولما شاعت هذه الدعاية في حينها خرج الإمام الخامنئي وصرح بأن الحكم لا زال على ما هو عليه.. إلا أن بريطانيا أرادت أن تمارس بإعلامها خطاباً للداخل الإسلامي بأنه لا يوجد أي مبررٍ للتوجه لقتل رشدي بعد تراجع المرجعية التي أصدرت الحكم بإعدام رشدي عن ذلك.
وإلا فإن المؤسسة التي يرعاها الشيخ حسن صانعي لم تتراجع عن موقفها والمبلغ الذي وضعته لمن يقوم بقتل رشدي لمعالجة مشاكله التي تنتج عن ذلك، من قبيل المحاكمة أو ما يتعرض له أهله من مشاكل جراء ذلك.
أما بخصوص أطروحة الأستاذ بدر شبيب الشبيب، فهي أطروحة جيدة، ولكنها لا تتجاوز الأطروحة التنظيرية التي لا تتعدى الكراريس.. لأن أنظمتنا المرتبطة في وجودها بالقوى المتسلطة في الغرب لا تستطيع أن تسايرنا في هذه الأطروحات، وخاصة وأن مقررات مؤتمر عمان هم من أشرفوا عليه، وهم من فتح الحدود الجوية والبحرية لأمريكا لإسقاط صدام، وهم من شن حرباً إعلامية قذرة ضد الشيعة بسبب إعدام صدام، ليسمى بالشهيد، ومن قبل قالوا عنه كافر، ولا يكفي تلفظه بالشهادة ليكون مسلماً..
أطروحة الأستاذ شبيب لا تحتاج فقط إلى الإمكانيات المالية والثقافية، وإنما إلى استقلال القرار السياسي.. وبحاجة أيضاً إلى توافر النوايا الحسنة..
أمريكا تستخدم مجلس الأمن والأمم المتحدة وحق النقض الفيتو، والقوة العسكرية لتفرض رؤاها وإن كانت متخلفة على العالم.. لتسمي التبعية لها بالعالم الحر.. والدول التي لا تريد أن تخضع لها بمحور الشر، وما إلى ذلك..
الدول الأوربية وحتى روسيا تتراجع كثيراً أمام أمريكا ليس لأنها تمتلك وجهة نظر رائعة وعملية في قراءة أحداث العالم، وإنما لممارستها الضغوط والتهديد تجاه الآخرين.. ولماذا يخشون تهديدها؟!.. لأنها الأقوى على مستوى الدولة في العالم..
إسرائيل يمكن أن تهدد أي دولة عربية وتخيفها، ولكنها لا تستطيع أن تخيف حزب الله، ولذلك هي من يحسب خطابه ومواقفه العملية مع حزب الله حتى لا يتورط بمواجهة لم يعد يضمنها، بل لم يعد يطمئن على مصيره بدخوله فيها.
إسرائيل قصفت المفاعل النووي العراقي، وعادت طائراتها بسلام دون ردة فعل.. وكذلك انطلقت من تل أبيب إلى تونس لتقصف مقر منظمة التحرير الفلسطينية وتعود سالمة دون أن تواجه ردة فعل.. ولكنها منذ أكثر من عقد وهي تهدد إيران بالقصف المدمر، ولكن لخشيتها من ردة الفعل الإيراني لم تجرؤ على القيام بتهديدها.. وقد رأيت برنامجاً في قناة الحرة يناقش الملف النووي الإيراني، وفيه لقاء مع أفراييم سنية أحد قادة إسرائيل العسكريين السابقين يتحدث عن مخاطر المواجهة مع النظام الإيراني..
فإذن الإمكانات المالية والاقتصادية والثقافية وحتى القدرة على التخطيط لإدارة تلك الإمكانيات لا تفيد ما لم تكن لدينا قوة تدفع بتلك المكاسب إلى التقدم..
ويذكرنا موقفنا الصلب كيف يصنع.. موقف حزب الله تجاه إسرائيل.. فالموالاة في لبنان تتعرض للتصفية وهي تذهب إلى اتهام سوريا.. والتصفية مستمرة.. ولكن بعد أن تعرض عماد مغنية للاغتيال هدد حزب الله بالانتقام فإن كل أجهزة إسرائيل الأمنية تعيش حالة استنفار شديد، إلى درجة أن يقوم وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك بزيارة سرية إلى سنغافورة، ومعللاً ذلك خوفاً من انتقام حزب الله!.. بل لا زال المحللون العسكريون والسياسيون ينتقدون مجرد إظهار الشماتة الرسمية من قبل القادة الإسرائيليين.. لماذا؟!.. لأن حزب الله عرف معركته أين، وعرف خصمه من، وعرف من يستهدفه.. وعرف السلاح الذي يخيفه خصمه..