الموضوع: عش طبيباً.....
عرض مشاركة واحدة
قديم 16-04-2008, 11:20 AM   رقم المشاركة : 31
جبرني الوقت
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية جبرني الوقت
 







افتراضي رد: عش طبيباً.....

تذكرون كيف كنت مستاءا بعد مناوبتي الأخيرة و التي خرجت منها يوم الأربعاء عند الواحدة ظهرا !

عندما عدت للبيت قضيت وقتا ليس بالطويل في النوم ، و كنت أفكر في أنني سأنال قسطي من الراحة بما أن غدا الخميس و دوامي نصف دوام و بعد الغد هو الجمعة و أخيرا سأقضي أحد الجمع خارج المستشفى !

اتفقت مع بعض أصحابي على الذهاب في جولة ما في مكان ما ... فأنا لم أعد أذكر متى كانت اخر مرة تجولت فيها معهم !

لم يكن علي أن أتذمر . بل أشكر الله أنها لم تكن أسوأ من ذلك !

ذهبت للعمل صباح يوم الخميس ، و أنا مرتاح نسبيا لأنني سأعود بعد أربع ساعات و أنعم بعطلة نهاية الأسبوع أخيرا ....

أخرجت قلمي من جيب معطفي الأبيض لأسجل اسمي في قائمة الحضور ....

ظهر في الصورة رئيسي النائب ...

لم يكن حضوره ليلقي علي تحية الصباح فأنا و هو لسنا صديقين حميمين !

هذا ما قاله لي بمجرد أن رآني - دون أي تحية -

- نظرا لحصول ظرف طارىء جدا لزميلك ( فلان ) فإنه لن يحضر اليوم و إن عليك تولي المناوبة اليوم عوضا عنه !


ذهلت ! و وقف شعر رأسي ... كما توقفت أنفاسي ...و نبضاتي ...و حتى قلمي ... توقف في منتصف التوقيع !


- ماذا ! و لكنني خرجت من مناوبتي يوم الأمس فقط !

- إنه ظرف طارىء جدا و لا يوجد من يحل مكانه غيرك أنت


اعترضت ... لماذا أنا ‍ ! ألا يوجد في هذه المستشفى المترامية الأطراف مخلوقا يدعى طبيب غيري

ذكرت له أن لدي ارتباطات أخرى و أنني لست مستعدا للمناوبة هذا اليوم - الخميس - خصوصا و أنا قد خرجت للتو

من مناوبتي السابقة المهلكة !


في نهاية الأمر .... خرج جميع الأطباء ليحظوا بعطلة نهاية أسبوع هانئة ... و بقيت أنا في سجن المستشفى

أواصل العمل ...


ألم أقل أنه كان علي أن أحمد الله بدلا من التذمر ! هذا ما استحقه الآن ! مناوبة مباشرة و في عطلة الأسبوع

التي لم أذق لها طعما منذ شهور ....


ألا يحق لي أن أغضب !

هل ألام إن أنا بدوت ( ضائق الصدر ) متعكر المزاج !

اتصلت بأصحابي أعتذر لهم عن حضوري - كالعادة - بسبب ظروف طارئة في العمل

أصحابي لم يفاجئهم الأمر ... بل على العكس ... لو كنت حضرت معهم لصعقتهم الدهشة ... فهم قد اعتادوا

على اعتذاري عن الحضور في كل اجتماع و كل مناسبة و كل مأتم !



لم تمر الساعات الـ 24 بسلام .... قضيتها و أنا غاية في الحزن و ( القهر ) ... متى سأعيش !

لماذا علي أن أبقى مع المرضى و الذين ينازعون الموت ... و أكون الرفيق الأخير للراحلين عن الدنيا

و ليس للمقبلين عليها !

فكم من الأفراح و الأعراس و الأعياد و كل ما يدعو للبهجة قد فاتني ...

و فيما يقضي أصحابي هذه الساعات معا في هذا المطعم أو ذاك ... عند الشاطىء أو في البر ...

يضحكون و يمرحون و يتبادلون الأخبار ... و يتناولون البوضا اللذيذة من أحد المحلات الشهيرة ...

بكل راحة بال و بلا مسؤولية أو تفكير ...

أقضي أنا الوقت ذاته قرب هذا المريض أو ذاك ... أسمع آهاته بدل الضحكات و أشهد غروب الروح بدلا من

غروب الشمس ... و أستنشق رائحة الأدوية و المعقمات بدلا من زهور الحديقة و نسيم البحر ...


هل جربت أن تعيش طبيبا !

لا أتمنى أن تجرب !






كانت الساعة التاسعة صباح الجمعة حين استيقظت بعد عفوة قصيرة على صوت زميلي الذي حضر لتوه

لتولي مناوبة يوم الجمعة ...



استيقظت فزعا ... ثم بدأت بالابتسام !

سألني :

- ما يدعو لهذه الإبتسامة ! هل كانت ليلة هادئة !

- أبدا ! تعرف كيف هي ليالي الجمع في المستشفى ! الذي جعلني أبتسم هو حلمي المضحك الذي أفقتني منه !



بم يمكن لطبيب تعيس مرهق و متعب و مجهد و غاضب و متذمر ... أن يحلم في غفوة صباحية قصيرة بعد

مناوبة متعبة ... في يوم كان يفترض فيه أن يكون مع أصحابه يرفه عن نفسه بين أحضان الطبيعة !


- حلمت يا صديقي ... بأن رئيسنا كان يخبرني بأنه و لظروف طارئة جدا ... سيتعين علي تولي

مناوبة الخميس المقبل كما في هذه المرة !!!



 

 

 توقيع جبرني الوقت :
رد: عش طبيباً.....
جبرني الوقت غير متصل