الموضوع: عش طبيباً.....
عرض مشاركة واحدة
قديم 12-04-2008, 09:47 AM   رقم المشاركة : 23
جبرني الوقت
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية جبرني الوقت
 







افتراضي رد: عش طبيباً.....


يوم من الأيام


استيقظت من النوم عند السادسة صباحا ...
حدقت في الساعة أتأكد من الوقت !
ما الذي يجعلني أصحو باكرا في هذا اليوم بالذات ؟ ... كنت أصحو كل يوم على رنين المنبه المزعج ... و أول شيء أفعله هو اعادة ضبط توقيته ليرن بعد عشر دقائق أخرى ... فأنا في ألذ مراحل النوم و أريد أن أواصل !

و غضبي ... لأنه كان يوم الجمعة ... حيث ينام الناس لساعة متأخرة ... و ينعمون بالراحة و الكسل ...
فلماذا أنهض أنا هذا اليوم بالذات في هذه الساعة ... و عملي في هذا اليوم - على خلاف بقية أيام الأسبوع - يبدأ بعد فارق ساعتين ...

نهضت و كان أمامي ساعتان و نصف ... قبل الإنصراف . على الأقل ... سأذهب و أنا في كامل نشاطي و تركيزي ... لا نعسان و متكاسل كمعظم الأيام الأخرى !

وصلت عن التاسعة . كان في انتظاري 37 مريض في الجناح ، أمر لفحصهم و متابعة حالاتهم و رعايتهم .
37 مريض مرقد في المستشفى تحت رعايتي بعد رعاية الله .
آه ! ألا يبدو العدد كبير ؟
هذا طبعا باستثناء المرضى الجدد الذين سيتم ادخالهم للمستشفى هذا اليوم ... كم أتوقع العدد ؟

و كالعادة لم أنته من المرور عليهم إلا بعد أذان الظهر ( و صلاة الجمعة ) بساعة أو يزيد .
و قبل أن أذهب للصلاة ... حضر المريض الجديد الأول ، و بدأنا العد ...

و للمرة الثامنة و الثلاثين أغسل يدي بسائل الصابون القوي المفعول ... الأمر الذي زاد من تهيج الحساسية التي أعاني منها منذ سنتين بسبب الصابون !


وجبتي الأولى لهذا اليوم كانت مكونة من بعض الشاي و ( الشابورة ) ، التهمتها بسرعة ثم عدت لمراقبة أحد المرضى في العناية المركزة .

لم يكن وضعه مستقرا منذ فحصته صباحا ... و استمر في تدهور ... و بقيت ملازما له أجدد في العلاج و الأدوية و ما يلزم حتى استقر أخيرا قبيل أذان المغرب .

و لا أدري لم اختار مريضان آخران هذا اليوم بالذات لتتدهو حالتهما هما أيضا - بعد استقرار عدة أيام - و يصبح الوضع حرج ...

و في أثناء وقت الزيارة ... و فيم أنا مشغول جدا مع المرضى المتدهورين ... يأتي الأهالي من كل مكان ... كل يود السؤال عن ذويه ...

( أيها الطبيب ... أيها الطبيب ... أيها الطبيب ... )

أيها الناس !

دعوني أقوم بعملي ! لدي ما هو أهم من طمأنتكم على ذويكم المرضى ... لدي أرواح توشك أن تنتزع !



السابعة مساءا ... حضر المريض الجديد الثاني ...
( التاسع و الثلاثين )


السابعة و 45 دقيقة مساءا ... حضر المريض الثالث ...
( الأربعون )

العاشرة مساءا ... حضر المريض الرابع ...
( الواحد و الأربعون )

الواحدة ليلا ... حضر المريض الخامس ...
( الثاني و الأربعون )


ألن يتوقف هذا السيل ... ؟


لازال وضع مريضين في العناية المركزة حرج ...

قررت القيام بالمزيد من الفحوصات و ما يلزم لمزيد من العلاج ...

قبيل الرابعة فجرا ... زميلي الموجود في غرفة قسم الطوارىء احتاج للمساعدة . أديت صلاتي و ذهبت للمساعدة .

كان هناك مريض مصاب بنزلة معوية و يحتاج لملازمة المستشفى .

المريض السادس
( الثالث و الأربعون )


قمت بفحصه و كتابة الأوامر ... و أرسلته إلى الجناح ، فيم تابعت فحص المرضى الآخرين و المستمرين في التوافد على قسم الطوارىء - في مثل هذا الوقت - حتى لأبسط الشكاوي ... !



السادسة صباحا ... وضعت رأسي المصاب بالصداع ... على الوسادة في غرفتي الخاصة ...

تمددت على السرير و أنا في قمة التعب ة الإرهاق ...

هل جربت أن تعمل 24 ساعة متواصلة بمعنى الكلمة ؟

و ليس أي عمل !


بعدها بـ 15 دقيقة صحوت مفزوعا على صوت الهاتف - الذي بت ّ لا أطيقه - التقطت السماعة فإذا بها الممرضة تخبرني ببعض الأمور ...


السابعة ... ذهبت أتفقد مرضى العناية المركزة مرة أخيرة .... قبل أن يحضر زملائي أخيرا و يتولون العمل ...

و إلى غرفة الإجتماعات ، و التي نجتمع فيها كل صباح لنستعرض حالات المرضى الجدد و أي تطور في المرضى السابقين ... أحضرت أوراقي و بدأت أسرد ما لدي ... كنت متعبا و صوتي بدا باهتا ضعيفا ...
وددت لو أنني أرفع الشكوى لرئيس القسم ... بدلا من استعراض ما حدث ...

ليته يشعر بذلك ... ! بتعبي و إرهاقي ... بأنفاسي التي بالكاد أستطيع التقاطها ...
لم علي أن أبقى وحيدا للعناية بكل هؤلاء الناس يوم الجمعة !؟
و لم علي أن أعيش نفس الأحداث جمعتين من كل شهر ؟
و ثمان مرات في كل شهر ؟


كنت أنظر إليه و أنا أتمنى أن يعير اهتماما لإنسانيتي ... و لكن لا يبدو أنني أصنف كإنسان أو بشر ... !

إنما كآلة عليها إنجاز عملها مهما كان و بدون أي تقصير ... أي شكوى أو تذمر ...

لا زال لدي الكثير لأستعرضه ... عما حدث لمرضى العناية المركزة يوم الأمس و كيف ساءت أحوال ثلاثة منهم و ما الذي قمت به ...

بدأت الحديث ... لكنه قاطعني ...

فالوقت تأخر ...

و هناك مندوبون من شركة أحد المنتجات الغذائية ... حضروا هذا الصباح ليستعرضوا آخر تطورات منتجاتهم ...
و يقدموا لنا ( فطورا ) مجانيا لقاء ( حسن الإستقبال ) !

 

 

 توقيع جبرني الوقت :
رد: عش طبيباً.....
جبرني الوقت غير متصل