أعرف أن أحدا لا يهتم بـ أو يكترث لـ حياة الأطباء !
هناك فئة من الناس تعتقد أن على الطبيب أن يعرف كل شيء و أي شيء !
و في الواقع ... لا يبدع الأطباء في شيء غير الطب ...
فلو كنت تعمل ( خياطا ) فمن المتوقع منك أن تكون ملما بكل أمور الخياطة ... و قد تفهم أيضا في التجارة !
و إن كنت تعمل بائعا ... فلا شك أن على دراية كبرى بشؤون التجارة ... و قد تفهم أيصا في الصيد !
و إن كنت سياسيا فلا عجب أن فهمت كل شيء عن السياسة ... و قد تفهم أيضا في الزراعة !
و إن كنت طبيبا ... فالواجب و المفروض و المطلوب منك أن تعرف كل شيء عن الطب و الصحة و الأمراض ... و يتوقع منك أن تفهم في الكثير من الأمور الأخرى ... و التي ... غالبا ما لا يكون لديك أدنى فكرة عنها !
عندما تعمل طبيبا ... فإن المساحة التي يشغلها دماغك في جمجمتك سوف تغطى و تحشى بالمعلومات الطبية اللانهائية بحيث لا يعود هناك أي مجال أو أية فجوة لمعلومة من نوع آخر !
هذا طبعا إن كنت طبيبا من الدرجة المثالية
ربما تفقد اهتمامك بالأمور الأخرى أو يتعود دماغك على ( تطنيشها ) لانشغاله بما هو أهم !
حسن ٌ ...
قد تكون وجهة نظر خاطئة لحد ما ...
المجال الذي ستبدع فيه هو المجال الذي تحبه و تهواه ...
فإذا كنت تهوى الكتابة مثلا ...
و عملت في مجال الإدارة على سبيل المثال ... فلا نتوقع منك الإبداع الذي نتوقعه منك ... لو عملت في الصحافة
المريض كانت حالته سيئة للغاية ...
مصاب بمرض خبيث انتشر في كل جسمه ... و أصبح يموت كل يوم شيئا فشيئا ...
كنت أراه أحيانا في قسم الأورام و معه والدته ... منذ عدة أشهر ...
لم أكن المشرف على علاجه ذات يوم ...
و لكن ، حين أكون مناوبا في المساء ... فيحدث و أن تستدعيني الممرضة لرؤيته إذا ما حدث له شيء طارىء ...
كانت نوبات التشنج هي اكثر ما استدعيت لعلاجها في تلك الليالي ...
اليوم ... مريضنا المنكوب نقل إلى العناية المركزة ... مثواه الاخير ...
كل يوم يمر ... و أراه هناك ... أدعي له بالرحمة ... و أتمنى ألا تكون نهايته بين يدي ...
و لأنني صديق محبوب جدا للأمنيات ... فما أسرع ما تتحقق .... ! و لكن معكوسة ...
بقيت حالته العامة مستقرة ...
قلت للممرضة المشرفة عليه :
- عسى أن يظل هكذا حتى الغد ! لا أتمنى موته بين يدي !
و عند الثانية عشرة ... في منتصف الليل ... كنت أقف أزاء المريض في محاولة يائسة لإنعاش قلبه الذي توقف ...
كانت والدته جالسة بالقرب مني ... تدعو و تردد الآيات القرآنية ...
و حصل ما كنت أخشاه ...
و قضى المريض نحبه ... و فاضت روحه الى خالقه ...
الأم ... و يا لقوة إيمانها ... لم تفعل أكثر من شكر الله و حمده على كل حال ...
ذهبت إلى جسد ابنها الميت ... و رتبت الغطاء فوقه ... ثم غسلت وجهه بالماء و هي تقول :
- ليتني أموت مثل موتتك ... الى الجنة ....
نعم إلى الجنة ....
فهذا الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة من العمر .... تعذب بمرض سرطان الدم الخبيث منذ سنين ...
فقد مناعته و أصيب بكل أنواع التسمم الجرثومي ... و بالصرع ... و بالعمى ... و بالفشل الكلوي ... و بالفشل في بقية أعضاء الجسم ...
و هي ترش الماء البارد على وجهه المخيف ... و تردد كلماتها الحزينة ....
لم أستطع منع دموعي من الانهمار ...
رغم أنه منظر أصبح مألوفا ... و ما أقسى قلوب الأطباء ... فقد اعتادوا على رؤية الموت و الموتى حتى أصبح أمرا عاديا لا يثير في قلوبهم الرهبة و لا ينزل على أجسادهم القشعريرة ....
رغم ذلك ...
ذرفت الدمع لأجله ...
و كم تمنيت ساعتها - و أعرف الأماني لا تعيرني أي استجابة - تمنيت لو كنت مكانه !
ليس للعذاب الذي عاشه ...
بل للنعيم الذي يحظى به الآن في الجنة ....
إنا لله و إنا إليه راجعون