إلى أجل ٍ مسمّى !
في أمان الله، يمرّ طبيبٌ مسترخي العضلات هادئ الأعصاب مطمئن القلب، على مرضاه... الأطفال المواليد ... الأبرياء الذين لا يعرفون في هذه الحياة سوى البكاء و الحليب و النوم... !
أصبحنا و أصبح الملك لله
تذكّرتُ عندما وصلتُ إلى المستشفى و هممتُ بارتداء معطفي الأبيض، أنني لم أذكر اسم الله عند صعودي السيارة هذا الصباح و لم أصلّ على محمّد و آل محمّد
اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد
و هي عادة أدمنتُ عليها إلا ما أنساني الشيطان
اللهمّ لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا....
أمرّ على أطفالي مرتاح البال... أوضاعهم مستقرة و لا شيء يدعو للقلق هذا الصباح...
فجأة
و أقول فجأة ، لأن المصائب لا تأتي مع سابق إنذار...
نداء لطبيب الأطفال إلى غرفة الإنعاش
نداء لطبيب الأطفال إلى غرفة الإنعاش
نداء لطبيب الأطفال إلى غرفة الإنعاش
يا ســـــــــــــــاتر !!!
لم أكن يومها (مناوبا) و لا مسؤولا عن الطوارئ و لا عن غرفة الإنعاش
هناك فريق طبي متكامل مسؤول عن كل هذا... و سيتولّى الأمر...
لكن....
لا استطيع أن أقاوم !!
(طرتُ) إلى غرفة الإنعاش و كلّي فضول لمعرفة ما الحالة الطارئة
هناك ... كان طاقمٌ كبيرٌ من الأطباء و الممرضات يحيطون بسرير الطفل المنكوب...
عندما وصلتُ كان الطاقم قد بدأ مسبقا عمليّة الإنعاش:
إدخال أنبوب الهواء إلى القصبة
نفخ الرئتين عبر النافخة اليدوية
تدليك القلب بالضغطات الصدرية
إجراء سائل المصل عبر العروق
الجميع يعمل و يتحرّك مِن حول السرير...
جئتُ أبحث عن الثغرات فيما بينهم لأطل برأسي على (الضحية)...
و أخيرا رأيتها
طفلة صغيرة... تجاوزتْ العام الأول ببضعة أشهر... ممدّدة على سرير الإنعاش... في غيبوبة... و الفريق الطبي يعصر جسمها عصرا محاولا جهده إنعاش القلب...
لا حول و لا قوّة إلا بالله
لم أستطع الوقوف كمتفرّج بل باشرتُ بإصدار الأوامر و أقحمتُ نفسي وسط المعمعة !!
ربّما سرى مثل هذا المشهد في دمي، لكثرة ما عاصرته و لم أعد استطيع فراقه أو مقاومة ندائه...
" أعطيه الجرعة الفلانية من الدواء الفلاني "
" أحضري الأنبوب الفلاني "
" حضّري المصل الفلاني "
" اسحبي عينة من الدم ... حللي السكّر... أرسلي العينة للمختبر ... "
و طابور من الأوامر التي أصدرها الفريق الطبّي و نفّذتها الممرضات... دون جدوى...
دقيقة...
دقيقتان...
خمس دقائق...
عشر دقائق...
عشرون،، خمس و عشرون ...
لا نبض... لا حياة ... لا أمل !!
و لا حول و لا قوّة إلا بالله
فجأة
و نعود للفجأة... فهي الكلمة التي نستهلكها للتعبير عمّا لا نتوقّعه.... خيراً كان أم شراً... أردناه أو لم نرِده ....
" هناك نبض ! عاد النبض ! القلب يعمل "
بعد 25 دقيقة من الإنعاش المستمر... يعود قلب الصغيرة إلى الحياة....
سبحان الله.... !!!
و لأنني الطبيب ( الفضولي ) الذي أقحم نفسه في الأمر... فقد كنتُ الطبيب الذي تولى مرافقة المريضة إلى وحدة العناية المركّزة و تهوية رئتيها بالنافخة اليدوية طوال الطريق...
و لم أسحب يدي عن (الموضوع) إلا بعد أنْ وضعنا المريضة على الفراش الأبيض... (المثوى الأخير)
أخبرتُ طبيب وحدة العناية المركّزة بأنّ طبيب الطوارئ سيوافينا بعد قليل لمزيد من التفاصيل... و نزعتُ قفازيّ و غسلتُ يدي بالصابون، و غادرتُ الوحدة
أدّيتُ صلاة الظهر فيما بعد و أنا أعترف بأنّ الحادثة سلبتْني الخشوع...
و انشغلتُ بعدها لساعات في عيادتي... و فور انتهائي من العيادة ذهبتُ إلى وحدة العناية المركّزة أتفقّد حال الطفلة المسكينة...
هل تعرفون كيف وجدتُها ؟؟
جثّة هامدة ....
نُزِعتْ عنها كل الأنابيب... و فُصِلت كل الأجهزة... و أوقِفت كل الأدوية... و ابتعد الجميع و لم يبقَ إلا جسدها الصغير الميّت في انتظار مَنْ يلفّه و ينقله إلى الثلاجة....
نظرتُ إلى أعين الممرضات... و الأطباء... و قلتُ غير مصدّق
" خلاص ؟؟؟ !!! "
نعم خلاص !
خلاص !
{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ }
....خلاص.....!..