* من الاشكالات التي تسجل على الخطاب الشيعي بأنه يركز ويؤكد القضايا التاريخية ذات الطابع المذهبي الخلافي، على رغم ما تسببه من عزلة لحملة هذا الفكر في أوساط بقية المسلمين، وبالتالي عدم الفاعلية للخطاب الشيعي في المتغيرات الجديدة على الساحة الفكرية، والسؤال المطروح هل بالإمكان تأسيس خطاب شيعي معتدل بعيدا عن الطرح التاريخي المذهبي؟
** ما تذكره من تركيز الخطاب الشيعي على القضايا التاريخية ذات الطابع المذهبي الخلافي هو استصحاب لحال سابقة تمتد جذورها إلى عهود التناحر الطائفي كالذي كان من السلاجقة تجاه البويهيين والذي كان بين الصفويين والعثمانيين، واستمراريته ترجع إلى تغذية الإمبريالية العالمية له.
والأمر -فيما اقدر- يحتاج من كلا الطرفين أو الأطراف إلى مراعاة شعور الآخر، والحرص والمحافظة على ألا تمس الرابطة الإسلامية القائمة بين الطرفين أو الأطراف، ومنه يكون الخطاب بمستوى الإحساس بالمسئولية وتقدير أهميتها، وخصوصا في مثل هذه الظروف السياسية التي دخل فيها المسلمون معترك الصراع الفكري مع الحضارة الغربية عن قصد وعن غير قصد.
ولا يتأتى الارتفاع بالجميع إلى مستوى المسئولية الدينية في هذا المجال إلا بموقف موحد يتفق فيه رأي الأطراف على كلمة سواء بينهم وخصوصا من العلماء المفكرين وذوي الرأي. وبالتوجه وبشكل جماعي إلى إدخال الدراسات المقارنة في مجالات التشريع الإسلامي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وسواها إلى معاهد وكليات الشريعة والدراسات الإسلامية.
وقد بدأنا هذا منذ أمد في جانب من الانتاجات الفكرية في الحوزة العلمية بالنجف كمؤلفات الشهيد السيد محمد باقر الصدر، ومحاضرات المرجع الديني السيد أبي القاسم الخوئي شرحا لكتاب مكاسب الشيخ الأنصاري، التي دونت بقلم تلميذه المرحوم السيد علي الشاهرودي وعلق عليها من قبل المرحوم السيد عبدالرزاق المقرم وكالذي قامت به كلية الفقه في النجف الأشرف متمثلا بالكتاب القيم الذي ألفه أستاذنا المرحوم السيد محمد تقي الحكيم، ومن كلية الفقه انتشرت الفكرة إلى معهد الدراسات الإسلامية العليا بكلية الآداب -جامعة بغداد، فكان تدريس الفقه فيها وفق المذاهب الثمانية المعاصرة وصدرت عنه أكثر من أطروحة ماجستير ورسالة دكتوراه في الفقه الإسلامي وأصوله، بحث مؤلفوها موضوعات رسائلهم الأصولية والفقهية وفق المذاهب الفقهية الإسلامية القائمة الآن وهي: الجعفري والحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والزيدي والظاهري والاباضي، وفي التاريخ تناولت اكثر من رسالة شخصيات علمية شيعية كالشيخ أبي جعفر الطوسي والعلامة الحلي.
وبعد الثورة الإسلامية في إيران في أكثر من جامعة من جامعات إيران أدخلت الدراسات الإسلامية في مقرراتها وبرامجها وصدر عنها اكثر من كتاب في هذا المجال.
إن مثل هذه الدراسات الفقهية والتاريخية الإسلامية كفيلة بان تقوم بدور التقريب بين المذاهب وتغير نظرة كل منها عن الآخر بما يغير الخطاب إلى الشكل المطلوب.
* الحوار المذهبي السني الشيعي كانت له في السابق ادبياته وأساليبه، وتحفل الكتب بتلك المناظرات التاريخية، ولكننا الآن نجد أن الحوار تحول إلى مهاترات وجدل واصطياد نقاط الضعف عند كل طرف، والهدف منه التشنيع بدل أن يكون البحث العلمي والوصول إلى الحقيقة، ومع هذا نجد أن نخب الشيعة المثقفة تنجر وتنساق إلى هذه المهاترات عبر الفضائيات والإنترنت ما يكون له المردود السلبي على الحالة الإسلامية العامة، فما تعليقكم؟
** إن المثقفين وعلماء الدين الذين هم بمستوى الحوار -محتوى وأداء- لا يشتركون في مثل ما جرى من لقاءات قيل عنها أنها حوار وما هي بحوار، لأننا -بعد- لما نصل إلى الظرف الذي يمكن للحوار أن يوصل إلى النتائج الحميدة المطلوبة.
ويرجع هذا -فيما أرى- إلى الحال النفسية عند كل من أبناء الطرفين التي تعيش تحت ضغوط التراكمات المفرقة والممتدة لأكثر من ألف سنة، كرست التعصب وركزته وكثرت الأوهام عند كل طرف عن الآخر، بما لم يعد للحوار معها أي جدوى، إذا -والحال هذه- لابد من التمهيد للتخفيف من غلواء التعصب ولتبديد الأوهام ومن بعد لتغيير النظرة، ولا يتم هذا إلا بما أشرت إليه آنفا من الأخذ بالدراسات المقارنة.
* طرحت في الصحافة العربية مقالات عن المرجعية الفقهية عند الشيعة، بعضها يؤكد الصراع بين المرجعية العربية والمرجعية الإيرانية، وان المرجعية الإيرانية هي المؤهلة للتصدي بحسب السيرة، وتطرح انه ستبرز مشكلة بين حوزة قم والنجف في مرحلة ما بعد سقوط صدام، فهل هذه الإثارات الصحافية لها شيء من الصدقية؟
** إن الذي ينشر في الصحف ليس هو الواقع، وإنما قد يكون كلاما يطرحه المنتفعون لأغراض شخصية، ذلك لأن المرجعية عندنا -نحن الشيعة- تتكون تلقائيا، ينقل عن المرجع الزعيم السيد أبي الحسن الأصفهاني "ت: 1945م " أنه سئل قبيل وفاته عمن يخلفه في المرجعية، فقال: {الله أعلم حيث يجعل رسالته}[الأنعام: 124].
وقد رأيت بعد وفاة المرجع محسن الحكيم "ت: 1970م" -ويومها كنت في النجف- أكثر من عشر رسائل عملية طبعت ترشيحا لأصحابها للمرجعية، ولكن المرجعية وبشكل تلقائي ألقت قيادتها إلى أبي القاسم الخوئي "ت: 1915م".
وكان في السبعينات الهجرية زعيمان كبيران أحدهما في قم والآخر في النجف وهما آغا حسين البروجردي "ت: 1960م" في قم والسيد محسن الحكيم في النجف، وقد تشاطرا حمل رسالة التشيع وإدارة شئون الشيعة الدينية على افضل ما يرام.
ومن بعدهما كان في قم الإمام روح الله الخميني "ت: 1988م وكان في النجف المرجع الشهيد أبو القاسم الخوئي، وقام كل منهما بمسئوليته الدينية خير قيام.
فوجود مرجعية في النجف وأخرى في قم ليس بالأمر الجديد، والتجربة التي أشرت إليها تفيد أن ليس في ذلك ما يخاف منه أو عليه، بل أن هذا من الظواهر الصحية والمفيدة.
وفيما اقدر -من خلال معرفتنا بمراجعنا من لزوم الورع والالتزام بالتقوى ستستمر التلقائية في وصول الفقيه إلى المرجعية، وتبقى النجف وقم تتعاونان على حمل المسئولية المنوطة بهما والقيام بها خير قيام.
ورأيي أن سقوط صدام لا يغير في واقع ما ذكرته. نعم، إن الكل يتوقع من الفقهاء من الأسر العلمية في النجف أمثال آل بحر العلوم وآل الحكيم وآل الخرسان وآل الجواهري وآل الشيخ راضي وآل كاشف الغطاء وسواهم -ممن لم تحضرني أسماؤهم الآن- أن ينهضوا بالحوزة كمؤسسة علمية دينية وبالنجف كمدينة إسلامية مقدسة فيسترجعوا مكانتهما اللتين كانتا لهما قبل العدوان البعثي، وانهم من غير شك سيفعلون، اخذ الله تعالى بأيديهم إلى تحقيق ذلك.
* في هذا الصدد أثار أحد الكتاب السعوديين تساؤلا صحافيا عن إمكان تشجيع وبروز مرجعية فقهية محلية تتفهم الظروف الاجتماعية والسياسية للمنطقة، وتستثمر موارد الخمس المالية في المنطقة نفسها التي يوجد فيها بدل أن ترسل إلى الخارج لتأسيس وتمويل المشروعات الاجتماعية والخدمية، هل نحظى بجواب منكم على هذا السؤال باعتباركم من علماء المنطقة ولكم مكانتكم في الأوساط العلمية؟
** أستطيع أن استخلص من سؤالك أن المحور الذي يدور حول السؤال هو توزيع الخمس للاستفادة منه في تغطية احتياجات أبناء الشيعة في المنطقة.
إن الذي اعرفه أن المراجع المعاصرين -حفظهم الله- قدروا هذا وأخذوه في الاعتبار إذ أجاز بعضهم لوكلائه التصرف في النصف، وأجاز آخر لوكلائه التصرف بالثلث، وثالث بالربع، وان هذه النسب -في تقديري- كافية لسد كل متطلبات واحتياجات أبناء الشيعة في المنطقة.
منقول من جريدة بحرينية ( الوسط ) 2 / 5/ 2003 م حاوره علي موسى