( .. أنتَ.. ) / الإنتظارُ حربٌ نخوضُها مع الوقت ، و نخرجُ منها دائماً منهزمينْ ! أراكَ ، تجلسُ الآنَ على المقعد المقابل لي تماماً قُربَ هولنديّةٍ تكشفُ عن ساقينِ يخمران عباب الضوءْ . أنظرُ إليكَ دونَ أن تفعَلْ . و تبدو كما لو أنّي قد رأيتُكَ قبلَ وجودك المفاجئِ أمامي الآنْ . تجلسُ بينَ مطارينِ تدلقُ عينيكَ على نافذة الوقتِ المُشرعةِ في مِعصمِكَ كلَّ حينٍ لترى ما إن كانت التراجيديا الّتي تؤدّيها العقاربُ داخل مسرحِ ساحتك اليدويّة قد انتهت أم لا . عالقاً بينَ مطارينِ تشعرُ من فرطِ ما اجتاحتكَ بقُّ الملل كما لو أنَّهما يقتربانِ منكَ ليعصِرانكْ . وحدكَ مثلَ أرملةٍ أرهقها تحسّس نصفها الثاني " هواءْ " . ثم ما قصّةُ رأسك ؟ لماذا هو شفّافٌ إلى هذا الحد الّذي يمكّنُني من رؤيةِ ما يدور فيه ؟ إنّي أشاهدُ في رأسكَ ذاكِرةً تنهجُ نهجَ النّار في اشتِعالِها ، تُرى إلى أيِّ مدىً منَ " الحديد " هِيَ ذاكرتك ؟ أنتَ تشدُّ كلَّ الوطنِ إلى هُنا . تُحضِرهُ معكَ و تحشدُهُ كلَّهُ على المقعدِ ، الآنَ ، حيثُ أنتَ وحدكَ بينَ مطارينْ بالقُربِ من ساقَيْ هولنديّة حسناء . ها أنتَ أرضٌ محايِدةٌ ، تتعاركُ فيها عقاربُ الوقتِ و ماضٍ ينسربُ من رأسكَ إلى خلفك و مُستقبلٌ لا تدري على أيٍّ جنبٍ ينامْ . حَربٌ هِيَ ، تنتهي فتتركُكَ خاوياً على قلبكَ ، و على وطنٍ يصرخُ فيكَ مُذْ رحلتَ : يا ولدي . لستَ حزيناً فعلاً ، رغمَ كلّ وجعِ الفراقِ الّذي نثرتَهُ في المطار الأوّلْ ، لستَ حزيناً رغمَ دموعهم الّتي لم تكترث لها الطائرة . أنت كما يبدو قلقٌ جداًّ على ذلك الّذي لا تدري على أيٍّ جنبٍ ينامْ . لِذا أنتَ توصدُ نفسكَ عن أعيُنهم ، تطمسُ وعثاءَ السّفر ، تواجهُ مشاقَّ لملمتكَ ..... و تطيرْ . تطيرُ فقطْ ، تطيرُ كثيراً .. دونَ أن تهبطَ فِعلاً ، كي تلتقي ذاك الّذي أرهَقَك ، ذاكَ الّذي لا تدري على أيّ جنبٍ ينامْ . دعني أنصحك بما أنّنا في صدد الحديث عن المستقبل ، عليكَ يا أنتَ ألاّ تزورَ المستقبلَ مُحضراً الماضي معك ، الماضي لا يُحايدْ . إما أن يأتي بمتاريسٍ من البهجةِ و الجمال ، أو متلفّعاً بالحزنِ و السواد . و في كلتا الحالتينْ مستقبلُكَ لن يستقبلَ ماضيكْ . هل التقينا من قبل يا ( أنت ) ؟ عندما عدّلتَ من جلستكَ بدت لي ملامحُكَ مألوفةً لكنّي لم أعرفكَ تماماً . ثُمّ ما بالُ مآقيكَ تُفرزُ دمعها الآن ؟ إنّي أراها تلكَ الدّمعة الّتي أتعبَها المسيرُ من أقاصي القلبِ حتى وجنتك ، أنتَ تذرفُها الآنَ تحديداً لأنّهُ لا طريقةَ أخرى يمكنكَ بها تركُ حبيبة . كي تتذكّرَ أنثاكَ عليكَ أن تدفعَ دمعة ، هكذا هي المعادلة مع هذا الحزنِ الكثيفِ الّذي يبدو أنهُ عرفَ كيف يشقُّ أسوارَك و يخترقُ ذاكرتك . أنا لا أريدُ أن أنظرَ إليكَ الآن و هي تتساقطُ عليكَ غيثاً مثخناً بالفاجعةِ لكنّني أشعرُ أنكَ يا أنتَ أنا ، هل أنتَ أنا ؟ يا إلهي ، أنتَ للمرةِ الأولى تنظرُ إليّ . إنّي أعرفك ، ألستَ أحدُ الّذينَ انتزعوهم من صدري ساعةَ كانوا ينثرونَ دمعاتهم و أشواقهم و كلَّ حكاياهمِ على كتفي ؟ سأبتكرُ دمعاً ساخناً من عينيكَ إذاً ، سأتركهما هُنا على مقاعدِ الإنتظارِ و أركبُ الطّائرة ، ـــــــــــــــ تركتُهُ و هو يثقبُني بعينيهِ ، أبتعدُ متجّهاً إلى الطّائرة و يلحقُ بي . أحاولُ أن أتلاشى فيدخُلُ بي ، و حينَ ركبنا الطّائرةَ كانَ لنا رقمُ المقعدِ نفسه . /.. ../