عرض مشاركة واحدة
قديم 28-05-2003, 10:10 PM   رقم المشاركة : 1
سفين المجد
مشرف سابق





افتراضي ســـــــــــيدات وآنســـــــــات ...

<span style='color:royalblue'>الأخوة الأفاضل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كتاب قرأته من مكتبتي:
انقل لكم فصل من هذه الرواية للكاتبة خولة القزويني ، انتقييت هذا الفصل لانه يحتوي على الكثير من حياتنا اليومية ولو ان الرواية جميلة جدأ. .... اتمنى ان تعجبكم

الفصل الثاني:

عاد إبراهيم إلى البيت كعادته... يخلع بنطاله في ناحية وقميصه في ناحية أخرى، ثم يرمي بحقيبته جانبا وينادي "..أم حمدان (العاملة) .." أم حمدان... فتهرول هذه المرأة البدينة:
- نعم يا بني
- أنا جائع، جهزي الطعام.
- أنتظر ريثما تعود أختك من المدرسة.

يصرخ في حنق:
اليوم خرجت دون إفطار وألان لا أستطيع الانتظار.

تقفل أم حمدان راجعة إلى المطبخ مستاءة ، بينما يهم إبراهيم باستخراج شريط الفيديو الذي يتبادله ضمن مئات الأشرطة مع أصدقائه ....

يضع الشريط في الجهاز ، ليرقد على ظهره في الصالون وهو يشبك ذراعيه تحت رقبته .

الحياة في منطق هذا الصبي الذي يتجاوز عمره الثالثة عشر سنة بقليل مجموعة من اللذائذ، ولا شيء فيها يستح الاحتراق والألم، العبث الذي يمارسه هو صرخة عنيفة في وجه النظام القاسي الذي صنعت ركائزه أمه المسيطرة، ثم تمرد صامت إزاء هذا الوضع القائم.

يدق جرس الباب مرات عديدة... صوت الموسيقى الصاخبة في هذا الفيلم طغى على كل صوت في هذا البيت، حتى أم حمدان لم تسمع وإذا بهذا الجرس يتحول الى ضرب عنيف على الباب، عندما ينتبه إبراهيم ويثب ليفتح الباب، فتندفع سلمى غاضبة:
- ما بكم..؟ ألا تسمعون صوت الجرس ؟
-
يناديها إبراهيم:

- تعالي يا سلمى لتشاهدي فيلم المغامرات.

تعنّفه:
ألا تكف عن هذه السخافات، إن امتحاناتك في الشهر الماضي كانت دون المعدل المقبول وعليك الآن التعويض.
ويميء دون اكتراث:

- أصمتي ولا تعكّري مزاجي الآن.

وتقترب أم حمدان:
هيا يا سلمى, الغداء جاهز.
تستطرد سلمى وهي في طريقها إلى السلّم:

- وأبي..؟ ألم يحضر ؟

تتردد أم حمدان لحظات وبأسف تقول:
لقد اتصل قبل قليل وأعتذر.

- وأمي ؟
- أمكِ تعد العدة لتسافر إلى مؤتمر المرأة في تونس
- وبالتفاتة حزينة تردف سلمى :
- لا شيء يهم.

لم يكد صلاح ينتهي من عمله حتى توجه إلى إحدى الدور السكنية في الشارع الخلفي للمدرسة، ثم هبط من سيارته في لهفة وهو يتلفت حوله، كأنه يختلس ويطمئن أن ليس في هؤلاء الناس أحداً يتلصص عليه أو يعرفه.
استرد أنفاسه بعض الشيء، ثم أقله المصعد الكهربائي إلى إحدى الشقق حيث ضرب جرس الباب وهو لا يزال يرتعد، استقبلته امرأة في العقد الثاني من عمرها.

قالت وهي تتأمل الدور حولها:

- هيا تفضّل بسرعة
- دخل على الفور
- عملية شاقة تتكرر في كل مرة

وأوشكت هذه المرأة أن تغضب لكنها تماسكت.

- لقد قلت لك الف مرة يجب أن نعلن زواجنا

حاول أن يستميلها بلهجته الناعمة:
- في المستقبل القريب يا عزيزتي.
- تتذمر
- لقد تعبت يا صلاح من هذه السرية وذلك الكتمان
- اقترب منها وهو يبتسم
- يا حبيبتي يا حنان، أنتش أغلى مخلوق في حياتي، كتمان أمرنا وإعلانه لن يغير من حبنا شيئاً.

هدأت ثم دعته إلى المائدة
- هيا تعال لتناول الغداء.
ثم تذكرت أن عليها إعداد ثياب البيت والحمام بعد تناول الطعام، فهي تسكب كل حنانها في قلب هذا الرجل حتى لا تفقده, لقد فشلت في زواجها الأول والثاني، وها هي عرفت كيف تحافظ على تجربتها الثالثة، لقد التقاها صلاح صدفة عندما كان يشتري بعض اللوازم من محل تجاري ويجمعهما حوار بسيط جعله يطمئن إليها ويعدو خلفها كلما اجتمعت الغمائم السوداء في حياته، حتى عرفها جيدا وعرض عليها الزواج وفق شروط تخص مصالحه، وتضمن ارتياحه, فهي بالنسبة له الجانب النفسي الذي يشعر برجولته التي افتقدها في البيت الكبير، ولعل هذه المرأة التقليدية التي ترى في الرجل رجلا مهما كانت عيوبه وآثامه هي الضالة المنشودة، فرجولته تبرر كل أخطائه وتغفر كل عيوبه، إنها تريد اهتماما وحبا ولا تبحث عن سلطة وكيان مفقود، تتعامل معه وفق المنطق الغريزي الذي لا تصنعه الثقافات والمستويات الاجتماعية.
ذلك النوع من النساء الذي نصادفه في حياتنا كثيرا، المرأة التي يتحول زوجها إلى اله مقدس تمتص كل جموحه بحب وحنان. فعندما التقاها وجدها قرينة لنفسه، استطاع ولأول مرة أن يشعر أنه أمام إمرأة حقيقية، وكل ما يريده هو أن يشعر أن له سلطة وكبرياء..... لقد اكتفى بهذا الإحساس الذي غفر كل ماضيها المجهول وتجاربها الفاشلة.

وجلسا حول المائدة...
شرع يقول وهو يلتهم الطعام:
-إني معكِ أنسى همومي.... أنسى هذه المرأة الأفعى السامة حطمتني.
تبتهج حنان بنشوة الانتصار على غريمتها ولعل ما يعزز ثقتها بنفسها هو سطوة غريمتها، فكيف وهي المرأة المنكسرة تعيش في ركن منعزل من الحياة ينظر اليها الناس بإشفاق وحذر...... تستطيع أن تهزم السيدة هيام ربة الجاه والحسب.

ومضى صلاح في حديثه:
- أصبحت أكره ذلك البيت
- قاطعته
- لماذا لا تطلقها يا صلاح... كالذي يدفعك إلى الحياة معها وأنت تمتقها .
- أتمنى ذلك لكن الأولاد هم العائق.

ويصيبها وخز مؤلم في صدرها لتتبدد النشوة إلى امتعاض:
- أنهما ليسا صغيرين ويستطيعان الاعتماد على نفسيهما...
- لا بد من وجود أحدنا إلى جانبيهما، فأماهما منشغلة بحياتها اللاهية ولا تبالي بمشاكلهما ومشاعرهما.

زمت شفتيها وتمتمت تحدث نفسها :
- يبدو أن هذه المشكلة لن تنتهي.
تنهد وهو مطرق:
- لقد سئمت الحياة معها صدقيني
- ليتنا التقينا منذ سنوات طويلة

يضحك ساخرا:
- تمنيات وأحلام.... الماضي لا يعود والزمن لا يرجع إلى الوراء هكذا أقدارنا.
- ارتجفت وهي ساكنه حتى انتبه...
- ما بك ؟

الغامض.هي تداري شيئا أنفتق من جرح قديم رواسب الماضي المعتم... الغامض .
حاول استدراجها ليعرف شيئا من هذا الغلاف المبهم... ينطوي على واقع مرير، تتنفسه كل ساعة وتلفظه مع تنهداتها.

- لا شي يا عزيزي.... لا شيء
يتفرس في وجهها بغرابة ثم يردف .
- حنان..... عزيزتي .... أجيبيني

تنفرج شفتاها عن ابتسامة فاترة

- لا أريد أن أفقدك يا صلاح أخشى أن يكون تخطيطك لكتمان أمرنا مدعاة للإفراط بي مستقبلا ، إ ن زواجنا الذي مضى عليه شهران يدفعني إلى التشكيك بنواياك .

يصمت صلاح طويلا وهو يشعر بذلك الهاجس الذي افتقده في هيام، الإحساس بحاجة المرأة إليه، الضعف الذي يلهب عاطفته ويثري شعوره بالحب.

- لا تقولي هذا مطلقا.

وتمضي في حديثها :

- بل يجب أن تسمع أنا بحاجة ماسة إليك يا صلاح، أنت كل شيء في دنيتي كل شيء، أخشى أن تحطمنا يد الدهر الخؤون... أخاف عليك من نفسي أن تدمر بحبها المفرط رباطنا المقدس، لا تضيق بقيدي هذا، لا تسأم من اهتمامي الثقيل، أنت زوجي وحبيبي وأخي وأبي و أمي... أنت كل شيء في دنيتي ولا أريد في الحياة سوى راحتك ورضاك...

وتظطرب الهواجس المتطرفة في رأسه تلك بقسوتها وهذه بجموحها العاطفي الملتهب أنثى مكتملة في كل شي، عينان ساهمتان تبحثان عن استقرار في ظل رجل ووجه مستدير يحاكي نعومة الأطفال... جسد مكتنز أميل إلى البدانة منه إلى النحافة ثم اللون الذهبي الصارخ الذي صبغت به شعرها ليثير إعجابه إنه محور حياتها فلن تفعل ما يثير سخطه.
إنتبهَ إلى وجهها الشارد عبر النافذة وتأملها فبدت صامته تريد أن تفجر تلك الحمم الغائمة ، استدارت لتبدو قرية منه وشبكت يده بيدها :
- عاهدني يا صلاح أنك لن تتخلى عني .
ويضغط على يدها بحنان.
- أعاهدك.. أعاهدك ... أعاهدك.

ازدردت ريقها:

- أنا خائفة... خائفة من المجهول... خائفة أن يحدث شيء يهزم حبنا ويفرق بيننا عندئذ تنتهي حياتي.
- دعي الأمر بيد الله يا عزيزتي.
-
نهض وهو يتثاءب

- سأنام الآن أرجو توقظيني عند الساعة الرابعة.

وحملت الأطباق إلى المطبخ حيث تهم بقضاء بعض ازوجها. المنزلية من غسيل وتنظيف ريثما يستيقظ زوجها، لكنها كانت تفكر مع دقات قلبها اللاهئة تخفي ماضيها عن نفسها، فكل ما تفعله ألان هو أن تدفع هذه الأشباح عن وجه حياتها المشرقة، ما هذه الوساوس ؟ وما هذه المخاوف ؟ ما الذي تطويه دقات خافتها حتى لا تثير حفيظة زوجها ... تتكتم بخوف وحذر.... تبلع ريقها.... تتوجس أن تعثر أصابعه على السر الخطير الذي دمر زواجها الأول والثاني. لن تنسى أنها ذات يوم كانت تعمل ممرضة في إحدى المستشفيات وقد لا حظت ذات يوم استعمال الأطباء السموم البيضاء وترويجها، إ ن شرف المهنة وقيمها الأخلاقية تدفعها إلى رفض الصمت فعارضت ضمن احتجاجات كثيرة على مستوى الإدارة العليا، لكن أصداها باتت أشبه بصرخة ميت بيد أنهم استطاعوا ومن خلال قصص ملفقة وأكاذيب شائعة تلويث سمعتها، حتى أصبحت وصمة سوداء في تاريخ حياتها، كتبت عنها الصحف والمجلات وبشهادة البعض تم طردها من هذه المهنة، وكانت تبحث عن مأوى وملاذ هنا وهناك حتى التقت زوجها الأول "رضوان " وهو رجل مسن أرمل أشفق عليها وتزوجها ولكن عندما داهمته أقاويل الناس وشائعاتهم الظالمة، اعتذر عن مواصلة الدرب معها وطلقها، ثم قلبتها الأيام القاسية عبر شراع سفينة تاءهة في بحر ليس له شطآن حتى تزوجت رجلا في العقد الرابع من عمره " مطلق " عاشت معه شهورا قصارا وإذا به يسحقها بكلماته... " أخشى أن تحملي مني وأنا لا أرضى إن تكون أم ولدي ملوثة " لقد عرفت الحقيقة المرة فقد أشبع نهمه ثم ما لبث أن زهدها وطفق يخلق أسباب الانفصال.
ولملمت أذيال الخيبة وخرجت وهي تجتر حسرات الحزن والألم.... وكل صرخة في أعماقها ضائعة الأصداء في هذا الزمن القاسي. لقد شربت كؤوس الحرمان ومرارة العيش، حتى تحولت إلى مخلوقة محطمة تستطيع أن تذوب بأي كائن يوفر لها سبل الحماية والحياة البسيطة.

مسحت دموعها وهي تحدّق في باب زوجها الموصد ... فهو الان ذلك المخلوق المقدس الذي استطاع أن ينتشلها من هوة الضياع ، لكنها قلقة خائفة من أي تحول غريب في حياتها إنها مظلومة .... بريئة .... كلهم يرفضون سماع الحقيقة . ليتها تفر هاربة من هذا الزمن الكثيب الذي أفقدها إحساسها بالاستقرار كأية زوجة ، لماذا تشعر أنها تختلس أو أن يداً غامضة ستنقضّ عليها وتدفعها بعيدا عن الاسرة الآمنة ، كل الناس يتطلعون نحوها بحذر ويرمقونها بإزدراء فهي جرثومة ضارة ، مخلوقة ملوثة ثم من هذا الرجل الذي إليها ثم يخرج خفية دون أن يستقرا معاً ، ولأيام طوال اللهم إلا لساعاتٍ محدودة ، لعله يعرف ماضيها ولا يريد تلويث نفسه بإفشاء الزواج ، ثمة فكرة خطيرة تدور في رأس هذا الرجل إنه يفكر في الخلاص منها بعد أن يشبع نهمه ويصل الى قمة التخمة .... كلهم هكذا ... تفوح من أبدانهم رائحة الغدر والنفاق ، ويعدني الان وعوداً كاذبة ، إن حرصه على عدم الحمل يؤكد ذلك ، لماذا يرفض فكرة الحمل ؟ ! مل شيء مؤجل هكذا وبكل بساطة .

دارت في رأسها الهواجس حتى إنزلق الصحن من يديها وسقط على الأرض وإنكسر ليحدث صوتا مزعجا ، فاستيقظ صلاح متذمرا :
- ما هذا الازعاج ؟
وشعرت بإطمئنان .... إنه مازال قربها ....
نظر الى ساعته .... كانت تشير الى الثالثة ، قال زهز يتثاءب:

- إصنعي لي فنجانا من القهوة .
واستوثقت أكثر أنه مازال يريدها زوجة .... فهو يتصرف بعفوية الزوج الذي يكتفي يهذه الحقوق المحدودة ، ليس فيه نهما يصل الى قمة الطغيان ثم ما يلبث أن يفتر ويخبو ....

وجاءت تحمل فنجان القهوة :
- آسفة على إزعاجك .
- لا بأس .. لقد أيقظتيني من كابوس مزعج .

وضحكت ، بل استرسلت في الضحك .
وتأكدت وللمرة الأخيرة أنه يحبها ... ويحبها بكل إخلاص .

إرتدى ثيابه على عجل .
فاستوقفته عند الباب قائلة :
- متى ستأتي ؟
صمت قليلا ثم إستطرد :
- سأحاول غداً على العشاء.

وإنطلق ... لتزفر حنان زفرة حارة ولتحصي خطواته الغائبة عن عينيها .</span>

 

 

 توقيع سفين المجد :
<img src='http://al3asheq2003.jeeran.com/safeen1.JPG' border='0' alt='user posted image' />
سفين المجد غير متصل   رد مع اقتباس