كتبه : عبدالإله بلقزيز
لا يمكن بناء مشروع أمة وكيانية قومية من دون بناء ذاكرة جماعية لأبنائها, تولد لديهم الشعور بالانتماء إلى أمة واحدة. والذاكرة التي نعني, ليست ذاكرة الماضي فحسب, بل أيضاً ـ وأساساً ـ ذاكرة الحاضر المتجددة باستمرار. وهذه الذاكرة لا تُبنى بعمل المفكرين والمبدعين: من أدباء وفنانين, فقط, بل بتضافر جهد هؤلاء مع جهد السياسيين ورجال الدولة وصناع القرار أيضاً.
ونحن نشهد في الحالة العربية المعاصرة, أنه لا توجد لدينا ذاكرة قومية عربية معاصرة, بل نجدنا إزاء خارطة فسيفسائية من الذاكرات القطرية المغلقة, والمحكومة ـ في معطياتها ـ بمعطيات المجال الجغرافي ـ السياسي الذي تشكلت منه "الدولة الوطنية" أو الدولة القطرية. وفي سياق أحكام التجافي بين هذه الأمشاج الكيانية الأرخبيلية العربية, تنعدم ـ أو تكاد ـ صلات الوصل والاتصال بين التواريخ الإقليمية الخاصة في كل واحدة منها؛ الأمر الذي ينجم عنه إنتاج هويات منفصلة مقطوعة الأوصال والوشائج بين بعضها البعض, تغيب فيها الجوامع ويجري فيها تزوير المرجعيات القومية والحضارية! ويكاد لا ينفلت من أحكام هذه الظاهرة إلا بعض قليل ممن تكون وعيه في مؤسسات قومية: حزبية أو ثقافية, أو ممن أخذه الاعتزاز بحضارته في الماضي إلى العناية بكل تاريخ العرب المعاصر: السياسي والاجتماعي والثقافي.
حتى الآن, لا توجد إلا ذاكرة عربية جمعية واحدة, هي الذاكرة الحضارية العربية ـ الإسلامية الوسيطة: التي يكاد يحملها ـ إلى هذا المدى من الغنى أو ذاك ـ سائر المتعلمين من عرب اليوم. إن أي متعلم يستطيع اليوم أن يحدثك عن التاريخ النبوي, وتاريخ الصحابة, والتاريخين الأموي والعباسي, وعن الشعر الجاهلي وشعر المتنبي ومقامات الهمذاني والحريري, وربما عن الفتوحات وعن الحروب الصليبية والحضارة العربية في الأندلس.. إلخ؛ ولكن, ما أن ينتقل إلى التاريخ العربي الحديث, منذ القرن التاسع عشر, حتى يضيع وعيه في مسارب التاريخ الخاص للبلد (القطر) الذي ينتمي إليه, فلا يكاد يعرف عن تواريخ الأقطار الأخرى شيئاً! وهذا ما يرتب الاستنتاج أن عروبة عرب اليوم ليست نتيجة فعل تاريخي معاصر يؤسس للهوية الجماعية أسبابها وشروطها, وإنما نتيجة استمرار فعل عوامل موروثة ومستمرة التأثير: اللغة والذاكرة الحضارية المشتركة وهي ـ للتذكير ـ خامات لم تجد العناية بتصنيعها اليوم لإنتاج مفهوم عهدي للأمة!
ليس من شك في أن غياب تلك الذاكرة الجماعية العربية المعاصرة مرده إلى أحكام فعل التجزئة الاستعمارية للوطن العربي في القرن العشرين: التجزئة التي قطعت أوصاله, وأنجبت كيانات متعددة فيه, لتمزق نسيجه التاريخي والاجتماعي والثقافي. ومع ذلك فنحن لا نشك في أن أهم أسباب ذلك الغياب هو السياسات التعليمية والثقافية الرسمية المعتمدة في الدول العربية, اليوم, والتي تنحو منحى قطرياً ضيقاً, من خلال التركيز على التواريخ الخاصة: السياسية والاجتماعية والثقافية. وهي سياسات هدفت ـ على الدوام ـ إلى بناء كيانية قطرية متميزة, بحسبانها واحدة من أدوات السيطرة السياسية للنخب الحاكمة في تلك الأقطار!
من حسن الحظ أنه مازال, في بلادنا العربية المعاصرة, جيش من المثقفين, والأدباء, والمبدعين, والصحفيين, والمناضلين, مشدوداً إلى دائرته القومية, وحريصا على العمل الدؤوب من أجل بناء رأي عام حول قضاياها المصيرية.., ثم من حسن الحظ أن عمل هذا الجيش أثمر نتائج مادية على الأرض في صورة استجابة شعبية للتحديات المصيرية التي يتعرض لها الوطن العربي (قضية العراق وفلسطين في الشارع العربي مثالاً), كما في صورة تجاوب يومي شعبي مع إنتاج وعطاء ذلك الجيش (على ما تشهد على ذلك معدلات الاستهلاك الثقافي للمنتوج الفكري والإبداعي العربي أو المتصل بالقضايا القومية المشتركة). غير أن ذلك كله ليس يعوض ـ بحال ـ الحاجة إلى سنّ سياسة عربية رسمية, في الميدان التعليمي, تتوجه توجهاً مدروساً نحو العناية بهدف بناء وعي عربي جمعي (في التاريخ, والجغرافيا, والسياسة, والاجتماع, والثقافة..) من خلال إعادة النظر في برامج التعليم المقررة, بتكييفها وتطويرها على النحو الذي تتحقق به الحاجة إلى بناء تلك الذاكرة الجماعية التي لا تكون أمة في التاريخ بغيرها.