بالطبع ثار .. قطب حاجبيه غاضباً .. و نهض و جلس بجانبي و رفع رجلاً على رجل و أخذ يراقب الشبان ليحميني من أي حركة تصدر منهم .. لو كانوا محترمين لخجلوا مني أنفسهم .. و لكنهم ضحكوا على تصرف خالد ..
اشتعل ! ثار ! .. نهض .. لا ! لا أريد أن تقام معركة أخرى .. أنا أخجل منه كثيراً .. و لكن خوفي عليه جعلني أوقفه ممسكة بيده :" أرجوك ! لا "
ركض الصبية هاربين .. فتنهد هو و مسح رأسي بلطف .. و قال :" دعينا نعود "
رغم أني جائعة و لم أتمم طعامي .. إلا أنني هززت رأسي ايجابياً ..
صعدنا السيارة .. فاستبدل خالد نظارته الشمسية بالطبية .. أنه لا يرتدي هذه النظارة إلا عند قيادته للسيارة ..
انطلق بالسيارة .. كنت أفتش في الحاجات التي اشتريتها .. لقد اشتريت بنطالين للون واحد .. و كان سعرهما مرتفع .. كما و أنني اشتريت أشياء أخرى متشابهة و باهظة الثمن .. أني حقاً مبذرة .. كنت كالمجنونة أجمع ما تقع عليه عيني .. وصلنا للمبنى الذي فيه شقتنا .. فأسرعت أنا بالخروج من السيارة و انطلقت أصعد الدرجات بسرعة .. لا أريده أن يسبقني هذه المرة .. التفت إليه .. خاطبني مستغرباً :" ألن تنتظريني ؟!! "
أشرت برأسي نفياً .. و أكملت ركضي السريع نحو الشقة .. حتى رأيت والدي يقرع جرس شقتنا .. صرخت بفرح :" أبـــــي " التفت لي والدي و هتف بابتسامة :" صغيرتي ! "و انطلقت نحوه و ارتميت في حضنه الدافئ .. مسح رأسي و قبل جبيني .. و ها هو يقترب خالد باسماً .. تعانقا بحرارة .. و خاطبني والدي و هو يداعب وجنتي :" تبدين رائعة بالخمار و العباءة .. و كأنك طفلة عمرها عشر سنوات "
كنت أظن أن الزي المحتشم هذا .. يجعل من المرأة تبدو أكبر من عمرها .. و لكنه يجعل من المرأة أكثر براءة ..نكست رأسي بخجل مشيرة لخالد :" خالد هو من طرح علي هذه الفكرة "
بل جبرني على ذلـك ..!
ضحك والدي في وجه خالد :" ما أروعك .. أنك فعلاً الزوج المناسب لبنيتي .. "
ابتسم خالد بلطف .. و أخرج من جيبه مفاتيح الشقة .. و فتحها و خاطب والدي :" تفضـل "
أشار والدي بيده اعتراضاً :" لا يا عزيزي .. جئت فقط لأطمئن عليكما .. "
و ابتعد ملوحاً بيده :" وداعاً "
=
مرت الأيام بسرعة .. حتى تأقلمت أنا حياتي مع خالد .. و ليس هذا فقط .. لم أعد أستطيع مفارقته حتى و لو لحظات .. إلا أنه اضطر للعودة لعمله .. و هذا ما أزعجني هذا الصباح ..
صرخت :" و تتركني وحدي ؟!! "
قال و هو يرتدي سترته :" من قال ذلك ..؟ سأرسلك إلى منزل والدك .. و ..... "
قاطعته صارخة :" لا ! ابق معي "
تقوس فمي للأسفل و أوشكت على البكاء .. فاستدار لي مقطباً حاجباه :" سارة ! لا تكوني طفلة "
و اتجه نحو الخزانة و أخرج منها العباءة و الخمار .. و وضعها على السرير و قال :" ألبسيها .. أنا أنتظرك "
و خرج من الغرفة .. نهضت أنا باستسلام و غسلت وجهي و ارتديت عباءتي و خماري و خرجت من الغرفة لأراه يستند على الجدار ينتظرني .. و لما رآني .. فتح باب الشقة و خرج و لحقته أنا ..
======================
صعدنا السيارة و أنا غاضبة من هذا الأمر كثيراً .. سيرميني في منزل والدي و يذهب هو لعمله ..و ها هي السيارة تقف عند منزلنا .. فقال هو قبل أنزل :" سوف آتي لأخذك عندما ....... "
قاطعته صارخة :" لا ! لا تأتي لتأخذني لأن عملك أهم .. "
بدت على وجهه ملامح الاستغراب .. فأسرعت أنا بالخروج من السيارة .. و طللت عليه من النافذة و صرخت :
" و زينة القبيحة أهم مني أليس كذلك ؟!! "
لا أدري لمَ خطرت ببالي تلك القبيحة ..فهي كانت تزورنا باستمرار مع والدتها أو أخيها .. كانت هي و أسرتها تشغل اهتمام خالد كثيراً .. و كنت أحترق عندما أراه يتحدث معها .. أنه يهتم بها أكثر مني ..
رأيت على وجهه ملامح الذهول و الاستغراب .. فركضت أنا نحو المنزل بسرعة .. قرعت الجرس .. و سيارة خالد لازلت في مكانها ..أظنه يريد رؤيتي و أنا أدخل المنزل ليطمئن قلبه ..
فتحت الخادمة الباب .. فأدرت أنا برأسي للخلف لأراه يلوح بيده لي مبتسماً .. فدخلت المنزل بسرعة .. ركضت إلى داخل المنزل .. فرأيت أمي و منى و أروى جالسات على مقاعد الصالة و منهمكات في مشاهدة التلفاز ..وقفت أمام التلفاز ضاحكة :" مــرحباً "
انتقلت أنظارهن لي .. و ضحكن .. و اندفعن لي ليرحبون بي ترحيباً حاراً جداً ..جلست من بينهم .. فسألتني أختي منى باستغراب :" سارة .. لم ترتدين هذا اللباس ؟!! "
ابتسمت :" الخمار و العباءة .. خالد هو من طلب مني الالتزام بها "
صرخت منى منفعلة :" ماذا ؟!! لا يحق له ذلك.. سارة أنه يجبرك على فعل شيء لا رغبة لكِ بفعله .. "
و قالت أروى :" أنه يتحكم بكِ سارة .. سأخبر والدي لكي يجد حلاً "
صرخت بغيظ :" من قال لكم أن خالد يتحكم بي ؟!! أني مرتاحة هكذا .. أني أشعر أنني كاللؤلؤة المغلفة .. خالد لم يطلب مني ذلك إلا لحمايتي "
و نهضت متجهة نحو المطبخ أبحث عن شيء آكله .. فلم آكل شيئاً منذ الصباح .. و ها هي منى تقترب مني و تهمس :" سارة ! صارحيني أختي .. هل أنتِ سعيدة معه ؟!! "
قلت بانفعال :" بالطبع نعم ..أنت لا تعرفين خالد كما أنا أعرفه ..أنه يحاول حمايتي قدر الإمكان .. يلبي طلباتي .. يعاملني بلطف .. يهتم بصحتي "
و ابتسمت قائلة :" أتعلمين أن التشنجات لم تعد تواتيني ؟!! "
قالت منى بفرح :" حقاً "
" نعم .. و ذلك بفضل الله ثم بفضل خالد.. فهو يجبر نفسه على الاستيقاظ الساعة الخامسة ليعطيني الدواء "
ابتسمت منى و قالت :" يبدو أنك حقاً سعيدة معه .. أوصلي سلامي له "
ارتحت كثيراً .. أخيراً اقتنعت منى أن خالد ليس كأخيه وائل .. أنه إنسانٌ آخر ..
================================
المساء .. شعرت بخالد يغطيني جيداً باللحاف .. كنت أتظاهر بالنوم .. ها هو خالد يستلقي على السرير ..فتحت عيني و ألقيت نظرةسريعة عليه .. أغمض عينيه ..و أظنه نام ..فنمت أنا الأخرى ..
شعرت بضجة .. ففتحت عيني .. ألقيت نظرة على الساعة .. الثانية و النصف صباحاً .. رغم أن الظلامكان حالكاً .. إلا أنني لاحظت خالد كيف كان متوتراً .. يفتش في الخزانة و يهمس :" أين هي ؟!! "
و يترك الخزانة ليبحث في الحقيبة .. و هو على ما أظن يتوجع .. في رأسه .. و يترك الحقيبة و يبحث في المجرات و هو يهمس بوجع :" أين وضعتها ؟!! "
ما هذا الشيء الذي يبحث عنه خالد ؟!! و لماذا يتوجع هكذا ؟!!
فة .. و أبقيت الباب مفتوحاً لألا أشعر بالوحدة و الخوف .. فخالد البطل بجانبي ..
======================
*·~-.¸¸,.-~*الجزء السادس و العشرين *·~-.¸¸,.-~*
موت الذكريات
أخذ يفتش الأدراج و الخزانة و الحقائب باحثاً عن شيءٍ مجهول .. حتى استند على الجدار و أخذ يتنفس بعمق .. فقفزت أنا من السرير متجهة نحوه .. هتفت به :" ما بك خالد "
أجاب و الملامح الإرهاق بادية على وجهه :" سارة .. اتصلي بإياد حالاً "
=
نُقل خالد للمشفى و بقي ساعاتٍ هناك .. و أنا بقيت وحيدة في الشقة .. إلى أن عاد .. جلس على الأريكة و خاطبني بإرهاق ملحوظ :" ماء "
أسرعت للمطبخ .. و تناولت كأساً و صببت الماء فيه .. و هرولت لخالد ..لقد استلقى على الأريكة و غطّ في نومٍ عميق .. المسكين .. مرهق جداً ..
وضعت كأس الماء على الطاولة .. و غطيته بلحاف .. كما يفعل هو لي كل ليلة ..
=
و في يوم آخر قرر خالد أن يزور أسرته .. فمنذ زمن و لم يزرها ..من النادر جداً أن يزورهم .. لتجنب أي مشاحنات مع أخيه وائل .. فإذا تعارك معه يلقون الذنب كله على خالد و كأن وائل لم يفعل شيئاً ..
ففي الآونة الأخيرة يتعارك الاثنان إذا التقيا .. و تنتهي تلك المعارك بتهديدات وائل بالانتقام ..
رحب بنا الجميع بحرارة .. هناك .. ثم جلس خالد عن أحد المقاعد و جلست بجانبه ..
نهضت المرأة .. أظن أنها جارتهم أو صديقة خالتي غيداء قائلة :" الآن سأغادر يا غيداء .."
كانت المرأة تحمل بيدها طفلاً رائعاً .. بل مذهلاً ..
قلت أنا أخاطبها :" هلّي برؤية طفلك ؟!! "
ابتسمت المرأة قائلة :" بل هي طفلة "
اقتربت مني المرأة و ناولتني طفلتها الرائعة .. وضعت الطفلة في حجري و أخذت أداعبها .. ثم حملتها و ناولتها خالد .. أخذ خالد يداعب الطفلة بلطف أكبر .. و فرح أكبر .. ثم أخذ يسأل عن اسم الطفلة و عمرها ..
بدا مهتماً كثيراً لها .. فقالت المرأة :" أتمنى أرى أبنائك بني .. أظنهم رائعون "
اتجهت كل الأنظار لي .. ينتظرون مني رداً .. ماذا عساي أن أقول و أنا لن أنجب أطفال .. لقد حرمت خالد من شعور الأب .. قلت بارتباك :" نحن لسنا مستعجلين .. كما أننا لازلنا عرسان "
و أطلقت ضحكة ليست في محلها ..
=
غادرت المرأة و بقينا ندردش طويلاً .. يسعدني أن أقول لكم أن علاقة خالد بأمه تحسنت كثيراً .. ها هو يتحدث معها و تشاركهما سمية الحديث .. و يتدخل زوج خالتي عادل بالحديث أحياناً معهم .. ثم يعود ليمطرني بالنصائح .. و عمته ذكرى تحادث إياد ..
إلى أن فُتح باب المنزل الرئيسي و دخل و كما توقعت .. وائل !
اتجه نحو السلم و لكن أباه أوقفه قائلاً :" وائل "
استدار وائل .. و لمَا رأى خالد اندهش .. و خالد بدأ بالاحتراق ..
اقترب وائل من خالد قائلاً :" أوه ! خالد كيف حالك ؟!! "
و مد يده لمصافحة خالد .. إن ما يفعله فقط ليظهر لأبويه أنه مسالم و خالد هو المخطئ ..
تردد خالد في مصافحته و لكنهما تصافحا أخيراً .. فمد وائل رأسه .. و قربه لوجه خالد .. كنت أظنه سيقبله .. و لكنه لم يفعل ذلك بل همس بإذن زوجي :" سأنتقم ! "
صُدمت ! يبدو جاداً في حديثه .. خالد لم تبد على وجهه ملامح محددة ..
قال وائل و هو ينظر لي بصوتٍ عال :" اهتم بنفسك و بزوجتك "
و ذهب !
================
مرت الأيام و الشهور و أنا ألاحظ اهتمام خالد بي قد ازداد و ازداد .. لقد أعطاني نسخة أخرى لمفتاح الشقة .. و لكني أضعتها عندما جاءت مروة لزيارتي ..
و يسعدني أن أقول لكم أني بدأت أتحول من طفلة إلى امرأة ..بعد أن عولجت من مرضي ..و لم أعد بحاجة لتناول الدواء .. و في أحد الأيام .. خاطبني خالد و هو جالس على الأريكة عندما خرجت من الحمام ..:
" سارة .. اصنعي لنا شاياً لو سمحتِ "
ابتسمت و اتجهت نحو المطبخ و قلت بدعابة :" أمرك سيدي "
دخلت المطبخ و بدأت بصنع الشاي بينما كنت أخاطب خالد و هو جالس في الصالة :
" أتعلم ! أختي منى حامل .. "
نسيت أن أخبركم أن أختي منى تزوجت برجل من مدينة أخرى .. و هي الآن مرتاحة معه كثيراً .. فهو ثري و لطيف ..
" حقاً ؟ "
" نعم "
حملت الشاي و اتجهت نحوه و صببته له الشاي في الكوب و قدمته له ..
تناوله من يدي و أخذ جرعة و وضعه الطاولة ..
فخاطبته أنا :" خالد ! متى سيزوج إياد .. أم أنه لا يفكر بالزواج بتاتاً .. "
ابتسم خالد .. ثم بدا و كأنه تذكر شيئاً .. نهض و قال :" اعذريني سارة .. يستوجب علي الذهاب الآن "
و ارتدى سترته فسألته :" إلى أين ؟ "
" سوف أذهب لإياد لإرجاع شيء ما منه.. لن أتأخر "
و اتجه نحو باب المنزل .. و التفت لي قبل خروجه و ابتسم :" وداعاً "
لا .. لا تظنوا أني لازلت أخشى البقاء وحدي .. تغلبت على الخوف منذ فترة طويلة .. اتجهت نحو المطبخ و أخرجت الخضروات و أخذت أقطعها ..لأصنع طبق سلطة .. لأضيفه لطعام الغداء .. أصبحت أتقن الطهي..
و بينما كنت أقطع الخضروات بالسكين .. سمعت صوت انفتاح باب الشقة .. فقلت دون أن أرفع رأسي عن الخضروات :" خالد ! لمَ عدت ؟ أنسيت شيئاً ؟ "
و لم أجد جواباً ..
فرفعت رأسي .. صُدمت ! انعدم الهواء في المكان .. و تصلب كل شيء .. للحظة وقوع أنظاري على ذلك الشيء ..
====
و كأنني بوغت صفعة مؤلمة .. أو ماء بارداً انصب على رأسي .. لم يكن ما رأيته خالد بل ..
القذر و البغيض .. وائل ..
يبتسم بخبث !..
تذكرت حينها كل تهديدات الانتقام منه .. أأكون أنا ضحية خلافهما ؟ لا ... رباه ....
اقترب هو .. فالتصقت أنا بالثلاجة رعباً .. أنا .. و هو .. فقط .. في مكان واحد .. صرخت بكل ما لدي من قوة :
" خــــــــــــالــــــــــد "
و لم أجد منقذي ! بل وحشاً يريد افتراسي ..
مد يديه القذرتين تجاهي .. فشيء ما تحرك بداخلي يدفعني لمد يدي نحو صدره ..
يدي كانت تحمل سكيناً !! و ها هي انغرست في صدره ..
هوى جسده .. و ظلت عيناه مفتوحتان على مصارعيهما ..
لحظة !! أنا لا أفهم شيئاً ..
سائل أحمر يسيل من صدره ..
و هو متصلب و لا يتحرك فيه شيء ..
أنا .. أنا قتلته ..
صرخت بقوة .. من أعماق قلبي ..
فيقطع صراخي صوته الجاف المخنوق :
" سارة "
التفتت إليه .. يقف قرب الباب .. هوى من يده الملف .. أنه مصدوم .. ينقل بصره بيني و بين هذه الجثة الممددة ..
اقترب مني .. فركضت نحوه بخوف .. اختبأت خلفه ممسكة بذراعه و أكملت سيل صرخاتي ..
=
كنا في صدمة حقيقية .. أنا لا أعلم ماذا جرى .. و هو لا يعلم ماذا جرى ..
مرت لحظة و دقيقة و ساعة و يوم و شهر و سنة و قرن .. و نحن متصلبان .. تماماً كالجثة المرمية أمامنا ..
حتى تحرك خالد أخيراً .. مسح عرقه المتصبب بغزارة .. و وجهه شديد الاحمرار ..
التفتت لي و قال و هو يضم يدي بيده .. :" سارة .. "
بصوتٍ مخنوق خاطبني .. فقلت بصوتٍ بالكاد يُسمع :" نعم خالد "
" تعالي "
قادني خالد إلى خارج المطبخ .. و وقفنا في الصالة لبرهة ..انفجرت باكية و بصوتٍ مبحوح أخذت أهتف :
" أنه تهجم علي خالد ..حاول إيذائي. حاول التعدي علي .. فلم أستطع حماية نفسي إلا بالسكين .. لم أكن واعية "
مسح خالد شعري .. و أشار لغرفة النوم .. :" سارة .. فلترتاحي هناك "
صرخت :" أي راحة ؟ أنا سأعدم قريباً .. أو على الأقل سأسجن لمدة عشرين سنة أو يزيد .. عمري ضاع خالد .. أنا ضعت خالد .. "
في نظرات خالد قرأت أنه يفكر بعمق شديد .. فجأة قال لي ..:" سارة .. اذهبي للغرفة حالاً "
صرخت :" ماذا تقول ..؟ أنا ... "
صرخ بي :" سارة ! "
و باستسلام اتجهت نحو الغرفة .. فدخل خالد المطبخ .. قبل دخولي غرفة النوم طللت عليه .. أخرج من جيبه منديلاً و أخذ يمسح مقبض السكين المنغرسة في صدر القتيل ..
ترى لماذا ؟!!
===================
في غرفة النوم بكيت بجنون و بلا توقف .. و لكن شيئاً واحداًأوقفني .. عندما سمعت خالد يتحدث عبر الهاتف :
" هنا مركز الشرطة ؟ حدثت جريمةقتل ! .. في شقتي .. و أنا القاتل .. "
.. أسمعتم ؟
أنه يلقي التهمةعليه ..
أي أنه سيحمل العقاب عني ..
لا !
اندفعت خارجة منالغرفة في صدمة كبرى .. لأرى خالد يغلق الهاتف بكل بساطة ..
اتجهت نحوه بخطواتبطيئة .. التفتت لي .. فهمست .. :" أنت حقاً مجنون ! "
أشاح بأنظاره عني و همس :" أسمعتِ ؟ "
صرخت :" نعم .. أتريد أن تعاقب مرة أخرى .. كفاك .. لقد خسرت منالسنين الكثير .. لماذا تفعل ذلك لأجلي .. أنا حقاً كنت عبئاً عليك .. و لكن .. يجبأن تتركني هذه اللحظة .. لأني أنا الفاعلة .. أنا القاتلة .. لا يمكن أن تخسر حياتكلأجلي .. أرجوك خالد .. فكر جيداً .. "
نظر لي .. و وضع يده الدافئة على كتفي وهمس :" لا بأس سارة .. كُتب علي العذاب في الدنيا "
و ها هو جرس الشقة يرن ليقطعحديثنا .. فيسرع خالد لفتح
الباب .. فأهتف به :
" لا .. خالد .. أرجوك .. أنا لا أستطيع العيش بدونك .. لا تتركني .. دعني أنا أُسجن و أُعاقب .. لأني أنا الفاعلة و لست أنت .. أنت حقاً رائع .. مضحي .. و نبيل .. و لكني لا أستحق تضحيتك هذه .. أرجوك خالد لا تدعني أتعذب طوال عمري .. "
=
بقيت أنا أبكي بصمت .. أتعذب بصمت .. في الغرفة بينما أسمع ما يدور في الخارج .. :
" نعم .. أنا قتلته .. "
" و ما السبب ؟ "
" لقد دخل الشقة و أنا كنت في الخارج .. و عندما عدت وجدته يحاول التعدي على زوجتي فقتلته "
" كيف دخل "
" بفضل نسخة أخرى لمفتاح الشقة .. هذا ما أظن "
" هل كنت تقصد قتله "
" ليس تماماً .. كنت غاضباً جداً .. و بتهور اندفعت و غرزت السكين في صدره "
" أين زوجتك ؟ "
" في غرفتها "
" هل لنا أن نراها "
" لا .. هي في حالة عصيبة .. كما إن الحجاب ليس على رأسها "
" حسناً .. إذن لنكمل التحقيق في المخفر بينما يتم فحص الجثة .. "
" لحظة .. سوف أطمئن على زوجتي أولاً "
و شعرت بخطوات تقترب و تقترب و فجأة يفتح الباب .. فأفزع ..
وقف خالد ينظر لي .. فنظرت أنا له بعتاب شديد .. همست :" لماذا ؟!! .. "
اتجه خالد نحو الخزانة و أخذ يجمع ملابسي في حقيبة في صمت .. صرخت به :
" لماذا تتركني و تفعل بنفسك هذا ؟ "
رفع رأسه و همس :" اخفضي صوتكِ .. إن علموا بأنك الفاعلة سوف نعاقب نحن الاثنان .. أنتِ بتهمة القتل و أنا بتهمة التستر على القاتل .. لا توقعينا في ورطة .. "
" ذلك أفضل .. على الأقل لن أفارقك "
تنهد بعمق .. و وضع الحقيبة أمامي .. و قال :" سوف أتصل لإياد ليوصلك لمنزل والدك .. "
صرخت :" لا .. و أنت ؟ .. لا تتركني .. "
استدار ليمنعني من رؤية وجهه و أخرج هاتفه الخلوي من جيبه و أخذ يحادث إياد عما جرى حقيقة .. و طلب منه أن يأتي .. و أغلق الهاتف .. و ها هو يتجه نحو باب الغرفة .. فهتفت به :" خالد "
استدار لي .. فقلت :" ألن تودعني ؟!! "
=
========================
ما هي إلا دقائق .. الشقة خالية من شيء يسمى خالد .. فقط رجال يتمركزون في المطبخ لفحص الجثة .. كما يقولون ..
حتى قُرع الجرس .. فنهضت و أنا أجر حقيبتي .. مرتدية عباءتي .. اندفعت و دموعي تلحقني .. فتحت الباب فإذا هو إياد كما توقعت .. مصدوم .. مصعوق .. !!!
أمطرني بسيل من الأسئلة الكثيرة ..
و أنا أجيب بسيول الدموع ..
حتى صعدنا السيارة .. أسندت رأسي للخلف .. بكيت .. بحشرجة همست :" خالد ! .. خالد .. "
و إياد يقود السيارة بصمت .. ثم خاطبني :" ستخبرينهم ؟ "
صرخت :" بالطبع ! سأخبر الجميع بالحقيقة .. قبل أن يحكموا على خالد بالعقاب .."
هزَّ إياد رأسه ايجابياً و قال :" خالد .. يعتقد أنه الوحيد الذي يتحمل عقاب الدنيا .. "
صرخت :" أيقنت حقاً .. أنه مجنون .. علي أدعوه دائماً خالد المجنون "
همس إياد :" بل خالد الحنون "
التفتت له .. فابتسم :" أليس كذلك ؟ "
أظن أن ليس هناك وقتٌ لهذه الابتسامة .. حدثت جريمة قتـــل !!
=
هناك .. ضربتني خالتي أشد ضرب .. سددت سيل الصفعات على وجهي و هي تصرخ بجنون :" أيتها الخائنة .. تقتلين ابني و تريدين توريط ابني الآخر .. "
و بعد أن تعبت .. هوت على الأرض و أغمى عليها ..
بعدما استيقظت ..أرسلوها للمشفى لتأزم حالتها النفسية ... و الجميع يبكي هنا .. و الجميع يصيح ..
بعد ذلك حضرت والدتي و منى و أروى والدي و خالتي الأخرى و اجتمعنا في منزل خالتي غيداء .. صرخت بهم :
" كيف لي أن أتخلى عنه ؟ أنه أوقع عليه التهمة .. لا و ألف لا .."
صرخت والدتي و دموعها تنهمر بغزارة من عينيها :" دعيه بنيتي .. دعيه يفعل ما يشاء .. أنا لا أستطيع التخلي عنك "
و صرخت ذكرى :" ماذا ؟!! خالد لم يفعل شيئاً و يعاقب ؟ "
و صرخت بي :" سارة .. إن كنتِ زوجة حقيقية .. لن تتركين زوجك "
نعم لن أتركــه .. !
=
رغم أني جبانة بعض الشيْ .. لكن خالد علمني الشجاعة و القوة .. و رغم أني أخاف ذوي المناصب الرفيعة مثل القاضي و المحامين .. إلا أنني وقفت أتحدث بكل جرأة لأبوح عمّا في قلبي ..
شيء ما دفعني للحضور هنا .. العائلة تنظر بذهول و خالد هناك ينظر بفخر ..
كنت أقول بجرأة .. بدون أن أخشى شيئاً .. و كيف أخشى شيئاً و خالد كل الأشياء .. هتفت موجهة حديثي للقاضي :
" حضرة القاضي .. ما رويته لك .. هو الحقيقة .. و خالد .. أخفى عن حضرتكم هذا الأمر خشية أن أقع أنا بين القضبان و هو يكره ذلك .. لذلك أوقع التهمة عليه .. حضرة القاضي .. المقتول .. هو من عرض نفسه لذلك .. كنت سأدافع عن نفسي في جميع الأحوال .. سواء بالسكين أو بأي شيء آخر .. "
هزّ القاضي رأسه طالباً مني المتابعة و العائلة تتابع حديثي بشغف ..و هناك خالد بين المتهمين يقف بفخر كبير .. يفتخر بي زوجة له ..ما أسعدني بذلك ..
رفعت يدي و وجهت سبابتي نحو خالد و قلت :
" هذا هو المعذب في الأرض من صغره ..لقد تحمل قسوة الدنيا.. و لازال قلبه أبيضاً خالياً من أي نقطة سوداء "
فابتسم هو ...
=
======================
لقد أُفرج عن خالد لأنه لم يرتكب الجريمة .. و أنا .. لميحكموا علي بالعقاب .. لأني كنت حينها لا أتعمد القتل بل أدافع عن شرفي ..!
و في مدينة أخرى .. بنى البيت الرائع .. لي و لخالد .. حتى استجمعت أناقواي و حملت بالمولود الأول و قد كانت بنتاً .. و تلتها ثلاث فتيات .. الأربعةيطابقون خالد في الملامح و التصرفات .. الشعر الكثيف الأسود و البشرة البيضاء والعينين الرماديتين و الشفتين الضئيلتين الورديتين ..
و قد أصر خالد أنه منيختار الأسماء لهن .. و لا أستطيع أن أصف شعوري الرائع عندما أراه يداعب هذه .. ويحمل هذه .. و يعاقب هذه .. و يساعد هذه ..
و أفرح كثيراً .. عندما يسألوني عنغيابه إذ كان في عمله :" ماما .. أين بابا ؟ "
و بقدرة سبحانه تمكنت من الحمل منجديد .. و إنجاب طفل .. أسميته وليد .. كان يشبهني .. !
و لم تنتهي الفرحة .. فقد رأيت أطفالي يكبرون و يكبرون و خالد يكبر فيه الأمل .. و تموت فيه الذكرياتالتعيسة ..
النهاية ..............
ارجوو ان تنال اعجابكم