الموضوع: جنون خالد
عرض مشاركة واحدة
قديم 27-07-2007, 08:24 AM   رقم المشاركة : 13
محب ال البيت
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية محب ال البيت
 





افتراضي رد: جنون خالد

الجزء الخامس عشر
الغروب الأخير

هي كانت تمعن النظر في صورته .. بخوف و وجل ..

ثم أدارت رأسها نحوي و ملامح الخوف بادية على وجهها .. خاطبتني ..

" أليس .. أليس .. هذا هو .. المرحوم (( خــالـــد )) ؟!! "

تصلبت ملامحها الطفولية .. و صوبت نظرة جامدة نحوي ..

أي مرحوم ..؟!! أي مرحوم سمية ؟؟!! .. خالد لم يمــت ..

اقتربت منها بحزن ..ماسحة المرهم الذي على صبعتي .. سحبت من يدها الصورة ..

قبلتها بحرارة .. و مسحتها .. !!

أأقول لها أنه لم يمت ؟!! ... بالتــأكيد لن تصدقني ..

اقتربت منها .. مسحت شعرها القصير .. و أنحيت جسدي و ضممتها بحرارة ..

و هنا بدأت دوامة الدموع اللانهائية..

هربت سمية من ذراعي اللتان كادتا تحطيمها ..

حسـنُ .. سأحفظ أسمك وحيدة .. أنا سأحفظ أنك لازلتِ حيــاً ..

++

على مائدة الغداء .. يتناول الجميع طعامه ..

عدا عادل الذي كان يحاول تثبيت الشاش على جبين زوجته لإيقاف النزف ..

أيقصد إثارة غيظي ..؟!! و أنا أيضاً .. أعاني خدوشاً أغزر ..

و لكني لا أراه يداويني أنا الأخرى ..

آه .. أنها زوجته .. و بالتأكيد سيخاف عليها أكثر مني ..

زدت غيظاً و تركت الطعام ..فاستوقفني عادل :" ذكرى .. ما الأمر "

و تسأل ؟!!

آه .. يبدو أنني أصبحت أغار حتى من غيداء .. و فقدت مرحي و مداعبتي للأطفال ..

أظل عبوسـة الوجه دائماً ..لأن عبوس الوجه ليس هنا .. يجب أن أحل محله ..!!

تذكرته .. فسألت عادل .. الذي كان يستغرب تصرفاتي .. :

" عادل .. ماذا عن خالد .. ستظل تمنعني من زيارتـه .. "

ابتسم :" كنت سأطرح هذا الموضوع للتو .. عزيزتي .. غداً سأذهب أنا معكِ لتوديع خالد .. "

صُدمــت .. صرخــت !! ..: " ماذا !! بهذه السرعــة ؟!! "

تلاشت ابتسامته و قال مستغرباً ..:" إذاً إلى متى تريدينه أن يبقى أسير غرفة ملوثة برائحة المشفى "

" و إن سافر .. سيظل أسمه " مريض نفسياً " .. و سوف يعالج في غرفة مشفى "

تنهــد :" أريد إبعاده عن أطفالنا .. أريده أن يعالج بهدوء .. أريده أن يبتعد عن حنانك الزائد و حقد مازن "

صرخت و أنا أصم آذاني ..:

" لا .. آه .. عادل لا تحرمني من رؤيته ..

عادل .. أنت لا تعلم أي شعور رائع يجتاحني عند رؤيته ..

أنسى أني مطلقة .. أنسى أني لا أنجب عيالاً .. أنسى هموم قلبي ..

أنا أحن عليه .. لأنه في أمس الحاجة إلى الحنان .. "

و نظرت إلى غيداء بأسى :" إذ كان حُرم من حنان الأم .. فدعوه يتمتع بحنان عمتــه .. "

تنهدت بحزن كبير .. و نهضت من كرسيي .. غيداء منكسة رأسها .. و عادل كذلك ..

و الأطفال في حيرة من أمرهم ..

انطلقت نحو غرفتي ،، رميت بجسدي على سريري .. تنهدت بعمق ..

آه .. أريد التنفس .. أنا مخنوقة .. أين الهواء .. لا أشعر به ..

لمحت صورته الرائعة على مكتبي .. آه ... أنت لا تعلم ماذا يجري بي عند رؤية صورتك هذه ..

أشعر بالألم .. أشعر بالأسى .. عليك .. آه .. أي قلبٍ لا يشفق عليك ..

آه .. هل أخبروك متى ستسافر ؟!! .. غداً .. غداً يا صغيري .. سوف يبدأ فراقنا الطويل ..

++

عندما بدأت الشمس بالمغيب .. لازلت على سريري أحملق بصورته .. من بين يدي ..

الغرفة هادئة .. صمت موحش يملئ الغرفة ..

و يقطع هذا الصمت كلمات أخي عادل :

" أوه .. ذكرى .. لا .. لا تبكي "

ربما سالت من عيني دموعاً .. و أنا لا أشعــر ..

أغلق من ورائه الباب .. و اقترب مني .. جلس على السرير أمامي ..

حملق بي .. و أنا أحضن صورة ابنه من بين يدي بحرارة ..

" أتعلمين !! أنت حساسة و حنونة جداً .. "

عندما لم يرى مني تجاوباً .. أكمل :

" ذلك جيد .. و لكن أنتِ تبالغين .. أنه ليس ابنكِ .. ثم ما الذي تريدينه من فتى مريض مجرم و ... "

صرخت به قاطعة جمودي :" كفاك عادل .. ليس من حقك أن تقول ذلك عن خالد .. "

تنهد هو :" أشعر بك .. شفقة مريرة .. و لكني سأدعه يسافر لكي يعالج .. "

عضضتُ على شفتي بغضب جامح .. فأكمل هو :

" سوف يسافر مع صديقي السيد أبا سامر .. لا تقلقي بشأنه "

" و لماذا ستبقيه هناك مدة عشر سنوات إضافية ؟!! "

" كما قلت لكِ ..... ... "

" تريد إبعاده عن الأطفال ..

تريده أن يعالج بهدوء ..

تريده أن يبتعد عن حناني الزائد و حقد مازن ..

أعلم ، أعلم "

نظر إلي بأسى .. ثم نظر إلى صورة ابنه .. اقترب أكثر .. و قال بدهشة :

" أأنت من صورتِه ؟!! "

" لا .. وجدتها بين كتبه "

مد يده .. لسحب الصورة من يدي ..

شددت على الصورة .. خبأتها في حجري ..

لا أريده أن يأخذ مني حتى ذكرى خالد ..

أخذ هو يحملق بي باستغراب و بأسى ..

خبأت الصورة في أحد الأدراج في الطاولة الصغيرة التي بقرب السرير ،،

و عدت أسند ظهري على الوسادة التي خلفي ..

نهض عادل .. متنهداً .. :" خالد سيسافر رغم كل شيء "

و خرج من الغرفة .. موصداً من خلفه الباب ..

حسنــاً ..! أظن أن الأمر انتهى .. و لا مجال للمناقشة في سفر خالد ..

خالد سيسافر !! علي تفهم ذلك .. و تقبل فكرة .. أني لن أراه إلا بعد خمسة عشر سنة ..

و كما تقول غيداء .. و قد لا أراه بعدهــا ..

آه .. يال قسوة الزمـــن ..!

--

في صباح اليوم التالي .. لم أهنأ بالنوم .. فأحدهم يهزني و يصرخ :" ذكرى .. ذكرى .. كفاك نوماً .. "

فتحت عيني بهدوء لأراه متجهزاً للخروج من المنزل ..

صرخ بي :"ذكرى !! هل نسيتِ خالد ؟!! سوف يسافر اليوم "

هنا حملقت به و كدت أن أبكي .. همسـت :" آه عادل .. لا تعذبني بكلمة " سفر ".. "

تنهد بملل .. ثم هزني مرة أخرى :" هيا .. انهضي .. لقد تأخرنا .. "

نهضت بتقاعس و ملل جامح .. وقفت أمام مرآة الحمام لأغسل وجهي ..

و لكن .. هالات سوداء برزت تحت عيني .. بسبب قلة نومي .. و كثرة بكائي و نحيبي ..

رباه !!

غسلت وجهي بسرعة .. و أديت صلاتي ..

ثم ارتديت عباءتي و خرجت من غرفتي لأجد غيداء و عادل يتجادلان :

" لن أذهب "

" بل ستذهبين .. "

اقتربت منهما مستغربة :" ما الأمـر ؟! "

أجابني عادل بغضب :" لا تريد الذهاب معنا .. "

و صرخت غيداء :" ليس من حقك أن تجبرني "

تنهدت بعمق .. و اتجهت نحو الباب الرئيسي للبيت .. و استدرت مخاطبة عادل :

" هيا بنا .. "

استغرب عادل لأني لم أعاتب غيداء كالمعتاد .. بصراحة ليس لدي القدرة لذلك ..لقد يئست ذلك ..

خرجت من المنزل حاملة حقيبتي .. صعدت السيارة و أخذت أضبط خماري و أنا أنظر لنفسي عبر مرآة السيارة ..

و عندما تأكدت من أني أحكمت الخمار جيداً .. أسندت رأسي على الكرسي .. و بقيت أنتظر عادل ..

و هنا .. استرجعت كل كلمة نطق بها خالد و كل نظرة رمقني بها خالد .. و كل جريمة فعلها خالد ..

سال من عيني دمعة حرقــة .. و تبخرت من حرارة وجهي .. حرارة غيظي ..

من عادل ، و من غيداء .. و من الجميع .. و من كل شخص يعتقد أن خالد مريض و مجرم ..

ترى لماذا لا يبد خالد غضباً من موضوع الرحيل هذا ؟!! أيخفي غيظه عنا ؟!! أم أنه لا يبالي في هذا الموضوع أصلاً ,,...

ها هو عادل يصعد السيارة .. و يحادثني على بعض أمور عمله .. كنت مشغولة البال .. و لم أكن أركز معه ..

و عندما شغّل السيارة .. رن هاتفي الخلوي .. من يتصل بي الآن ؟!

أخرجت الهاتف من حقيبتي .. و ضغطت الزر ليجيب الطرف الآخر :

" ذِكرى "

صوت مألوف جداً .. صوت غيداء .. ما الذي تريده ؟!!

" غيداء ؟!! ما بكِ ؟!! ماذا هناك ؟‍! "

صمتت قليلاً .. ثم أجابت بحشرجة :

" هل لي أن أذهب معكم ؟!! "







أسندت رأسي على الكرسي بعد تلك المكالمة.. فسألني عادل :
" ما بها غيداء "

" تريد أن ننتظرها قليلاً .. تريد المجيء معنا "

" ماذا قلتِ لها "

" قلت لها .. حسنٌ .. تجهزي و نحن بانتظاركِ .."

ثم استدرت لعادل و سألت بحيرة :" ما الذي غيّـر رأيها يا ترى ؟! "

" لا أعلم .. ربما شعرت بالحنين إلى خالد .. كما تعلمين فهي لم تره منذ فترة طويلة جداً "

صمتت بذهول .. ثم قلت :" أوه لا .. هذا تطور كبير من غيداء .. إذ شعرت بالحنين إلى ابنها .."

و أخذت أصفق بجنون .. و عادل يبتسم .. و ها هو الباب الخلفي يفتـح ..و تدخل غيداء و تجلس في المقعد الخلفي ..

استدرت بابتسامة خبيثة و خاطبتها ..:" غيداء "

كانت هي ترتب خمارها و تجيبني :" نعم "

غمزت لها :" ماذا جرى لك اليوم .. أتريدين الذهاب معنا حقاً ؟؟!!! "

و نظرت إلى عادل الذي خفض رأسه ينتظر جواب زوجته مبتسماً .. و عدت أنظر إلى غيداء التي قالت بكل بساطة :

" نعم "

" لعلك لا تعلمين إلى أين سنذهب "

" بلى أعلم .. ستودعون خالد "

" و هل تجرئين على رؤيته .. ؟! أنت تخافينه "

" لا يوجد أم تخاف ابنها "

شهقت " واو .. و تدعينه بابنكِ أيضاً .. لا أصدق أنك غيداء "

خفضت غيداء رأسها هروباً مني .. و صرخت بزوجها :" هيا عادل .. ما الذي تنتظره .. انطلق "

:::::
خيم الحزن و الصمت السيارة .. و أخذ عادل يهذي ببعض كلمات غير مفهومة .. أما غيداء ..

تسند رأسها و توشك على النوم ..

توقفت السيارة بقرب العيادة النفسية .. فنزلنا متجهين نحوها ..

يقول عادل أن صديقه أبا سامر يساعد خالد في تجهيز حاجاته ..

صعدنا جميعاً السلالم .. عادل يمشي في المقدمة .. و أنا و غيداء خلفه ..متجهين نحو غرفة خالد ...

و عندما مررنا بالغرف .. فزعت غيداء لسماعها صرخات المرضى تلك ..

وقفنا نحن الثلاثة أما تلك الغرفة .. لم تكن مغلقة .. فكانت أصوات الممرضات و السيد أبا سامر تُسمع ..

دخلت أنا الأولى .. خالد يجلس فوق سريره ليس بملابس المرضى تلك .. و إنما كان متجهزاً للسفر ..

و بقربه يجلس السيد أبا سامر .. و الممرضات يجهزن حاجاته في تلك الحقيبة .. ( كمساعدة )

اقتربت أنا منه .. سلمت على السيد أبا سامر و جلست فوق السرير أتأمل خالد ..

هو حملق بي .. ثم توجهت أنظاره نحو الباب .. ليرى أباه و أمه ..

بدا مصدوماً لمجيئهما .. فهما لا يهتمان به .. و لا يفكران به ..

هنا رأيت في عيني غيداء صدمة كبرى .. قد وجدت تغييراً كبيراً في خالد ..

همس بأذني :" لمَ أتوا ؟! "

ابتسمت :" لقد اشتاقوا لرؤيتك يا عزيزي "

بدت ملامح الاستنكار على وجهه ..

اقترب عادل و سلّم على صديقه أبا سامر و جلس يحادثه قليلاً ..و لازالت غيداء تخشى الاقتراب ..

هنا يحملق خالد بوالدته طويلاً .. فنهضت أنا متجهة نحوها .. اقتربت منها .. فبدت خائفة جداً ..

همست :" هيه .. غيداء .. ما بكِ "

" أهذا هو خالد ؟!! لقد تغير كثيراً "

" من حيث ماذا "

" ملامحه .. نظراته .. كل شيء "

" صدّقيني خالد لم يعد مريضاً .. لا داعي للخوف "

سحبت يدها بلطف .. فرفضت :" إلى أين تسحبيني ؟ "

" لابنك "

" دعيني هنا أراقبه من بعيد .. و اذهبي أنت له "

تنهدت .. و تركتها كما شاءت .. و اتجهت نحو خالد .. جلست أمامه مشيرة إلى السيد أبا سامر :

" ما رأيك به .. ؟!! هل أنت مرتاح له ؟؟!! "

هزّ رأسه ايجابياً .. ثم قال بهمس :" نعم .. أنه لطيف "

بدا خالد أكثر حيوية من ذي قبل .. يبتسم للممرضات .. يضحك لي دائماً .. و ذلك زادني طمأنينة ..

و لكن غيداء .. ماذا عساها تفكر الآن ..هل لازالت تخاف خالد ؟!!

هنا انتهت الممرضات من تجهيز حاجات خالد في حقيبته .. فسمح لنا الطبيب بالمغادرة ..

قالت إحدى الممرضات باسمة :" كانت أياماً لا تنسى مع خالد .. "

و اقتربت منه تعبث بشعره :" كان عنيداً .. سنشتاق لكِ يا عزيزي "

ابتسم خالد ابتسامة رائعة جداً ..


ابتعدت الممرضات تاركات حقيبة خالد فوق السرير .. و بالمقابل تقترب .. غيداء ..

فاجأتني لجرأتها .. فهي تخاف خالد كثيراً .. تصطنع القسوة .. و لكن مجرد نظرة من عينه تحطمها ..

كانت هي تضع يدها على كتفي وجلاً .. و أصابعها ترتجف خوفاً.. تحملق بابنها بعمق شديد .. تعض على شفتيها بقوة ..

و هو .. لم ينتبه لوجودها أصلاً .. يراقب أباه و السيد أبا سامر و كيفية حديثهما ..

حتى انسحبت هي مدركة مدى خطورة هذا الفتى ..

إلـى متـى ستظل غيداء ضعيفة .. لا تقوى على تحطيم الحواجز التي تحجب ابنها عنها ؟!!

:::::

تمشي غيداء بجانبي تحملق بمن يمشي أمامها باهتمام شديد .. تراقب كيفية مشيه بعمق ..

تراقب حتى أطراف شعره التي تحركها التيارات الهوائية اللطيفة ..

كان عادل يضم خالد بذراعه اليسرى .. و يمشي محادثاً السيد أبا سامر في الجهة اليمنى ..

و تظل نظرات غيداء لا تفارق ذلك الجسد ..

مشينا حتى وصلنا إلى موقع السيارتين .. سيارتنا و سيارة أبا سامر .. هنا هو موقع الوداع الأخير ..

دخل السيد أبا سامر سيارته تاركاً لنا بعض الراحة ..
أمسك عادل بكتفي ابنه .. و بهمس أخذ يحادثه .. مانعاً تسرب أي كلمة إلى مسامعنا ( أنا و غيداء )

تراقبهما غيداء من بعد خمس خطوات تقريباً .. و تهمس في أذني :"يكاد الفضول يقتلني ..! فيما يتحدثان ؟!! "

هنا أرى خالد يهز رأسه ايجابياً .. ترى .. ماذا قال له عادل ؟!! .. أجيب غيداء :" أنا الأخرى لا أعلم "

و هنا يرتفع صوت عادل مخاطباً أبنه :

" و الآن .. سلِم على عمتك و أمـك .. فلن تراهما إلا بعد مدة طويلة جداً .."

يستدير خالد ليواجهنا أنا و غيداء .. تسري رعشة خفية في جسدها .. و أنا أقترب منه بخطوات بطيئة جداً ..

أنحني و أظل أحملق بقسمات وجهه الكئيب باهتمام .. و تعجبني مقلتيه الناعستان الرماديتان ..

ابتسمت و همست به :" سأفتقدك.. عزيزي "

سأفتقد همساتك .. نظراتكِ .. جرائمك .. و عطرك .. و هيئتك .. و برودة أصابعك .. و نعومة رموشك ..

و كل شيء ينتمي إليك ..

مددت يدي و أخذت أعبث بشعره بهدوء .. و أنا أحملق به بعمق .. هو أيضاً ,, يحملق بي ..

أحسست بحرارة تنبعث من وجهي .. و برد قارص ينبعث من وجهه ..

و هنا أحسست بشيء يطفئ نيران وجهي المشتعل .. دمعة تتلو دمعة ..

و هو يراقب دموعي بصمت .. مددت يدي و ضممت يده إلى صدري بلطف ..

و هنا تتفجر سيول .. و براكين .. و أمطار .. و عواصف .. و أمواج .. كلها دموع تعبر عن حرقة ..

طوقته بحرارة .. و أخذت أجهش بالبكاء .. و أشعر بأنفاسه الباردة تخترق وشاحي و تلامس رقبتي ..

و سمعته يهمـس :" و أنا أيضاً .. سأفتقدكِ "


أبعدت عني قليلاً .. لأقلب ملامحه الكئيبة مجدداً .. و أعود لأضمّه بحرارة .. و أمطره قبلاً ..

لم أكـن أعتقد أن فراقه سيكون صعباً هكذا ..

أنا لا أستطيع أن أبعده عن صدري فقط .. فكيف لي تحمل فراقه لمدة خمسة عشر سنة ..؟!!

+++

بعد فترةٍ ليست بقصيرة .. أبعدت ذراعي عنه .. و نهضت و أخذت أدقق النظر به من بعيد ..

و أنا أمسح بقايا الدموع التي تحرق أجفاني ..

أومأ عادل إلى غيداء بالاقتراب من ابنها و توديعه ..

هنا أدار خالد رأسه إلى جهـة أمه .. و هي هناك واقفة .. و العرق يتصبب على جبينها ..

ترتعد خوفاً ,, لا تجرأ على الاقتراب ..

عاد عادل ينادي زوجته :" غيداء .. اقتربي "

و لا حياة لمـن تنادي

" أتسمعينني .. ؟!! غيداء ! "

يركع رأسها .. و تسجد نظراتها ..

" غيداء ! "

صمت .. و خوف .. و رعب .. و وجل ..

هنا يتحرك الجسد الذي أمامي نحوها .. خالد .. أوه ..! لا ..

يقترب منها بخطوات ترعبها أكثر .. يقف أمامها .. و هي تموت خوفاً..

و لا أدري أي حديث دار بينهما .. و أي نظرات بينهما ..

********

كنت أتأمل ذكرى كيف كانت غارقة في النحيب من أجل خالد .. كانت كالمجنونة ..

تحضنه بقوة ..دون خوف أو تردد.. لم أكن أتخيل أني سأجبر على فعل ما فعلته هي أيضاً ..

ناداني عادل .. و طلب مني الاقتراب ..

هنا .. ارتعدت خوفاً .. ! وقفت لبرهة صامتة .. لم تناديني يا عادل لهذا الموقف .. ؟!!

و أنت تعلم أني لا أستطيع حتى النظر إليه ..

و مرة أخرى يناديني عادل مصراً على طلبه .. أقصد ( أمره ) ..

تصلبت .. و أنا منكسة الرأس ..

و يعود عادل لمناداتي .. فأصرخ قهراً في داخلي .. كفاك عادل .. أتريد قتلي ..؟!

كنت أدفن نظراتي في الأرض .. ألا و ألمح ظلاً يقترب مني .. عادل .. أتريد سحبي إليه ؟!!

رفعت رأسي بغضب .. و هنا صُعقت .. فلم يكن عادل .. و إنمـا ..

جسد يقف أمامي مباشرة .. بضع خطوات بيني و بينه .. بيني و بين المجرم .. المخيف ..

أقسم أنه تغير .. حتى نظراته بدت ألطف بقليل .. لم يكن كالسابق .. جامد لدرجة مخيفة جداً ..

ارتسمت على شفتيه ابتسامة .. و يا لها من ابتسامة .. لامستها أشعة الشمس ..

" أمـي "

نطـق بهذه الكلمة .. لأجلي .. و كأنه يناديني ..

خفضت عيني .. و بدأ قلبي بالنبض .. لدرجة أنه سمع هذا النبض الفاضح ..

" لم أكـن أتوقع أن أفارقكم لهذه المدة الطويلة .. "

كان صوته جديداً علي ..

 

 

محب ال البيت غير متصل   رد مع اقتباس