مشكورين على الردوود جميعكم لكن انا ذكر
ان شالله ابشروا بالتكمله
عدنا بعد ذلك للمنزل ..الأطفال يركضون بمرح في أرجاء البيت من شدة فرحهم ..
أما خالد رأيته يتجه نحو غرفته ..ما الذي يعجبك في غرفتك ؟!! السرير المحطم ؟!! أم المكتبة المنكسرة ؟!! أخذت أناديه :" خالد .. خالد .. انتظر " استدار مقطباً حاجبيه و هو ينظر لي ..
أنه منزعج مني ؟!! حسنـــاً .. اقتربت منه و أمسكت يده و قلت بمرح :
" خالد .. لمَ لا تتناول عشاءكَ معنا ؟!! "
حيث تجاهلني ماشياً نحو غرفته .. غضبت كثيراً .. و ركضت نحوه و أمسكت ذراعه صارخةً به :
" توقف عندك .. !! أليس من العيب أن تعامل الناس هكذا ؟!! أنت لا تعيش وحدك .. خالد "
رمقني بتلك النظرة مجدداً .. فصرخت به :" من تحسب نفسك لتنظر إلي هكذا ؟!! "
حدق بي طويلاً .. لقد تمادى في تصرفاته .. و هذا ما جعلني أصرخ به .. لكي يشعر فقط ..
أمسكت يده و مشيت و أنا أسحبه نحو المطبخ .. كفاكَ وحدة .. كفاكَ صمتاً .. كفاكَ غموضاً ..
طللت على المطبخ .. حيث كانت غيداء تجهز طعام العشاء و الجميع على حول الطاولة ينتظر ..
هتفت باسمة :" لدي مفاجأة لكم "
التفت إلى الجميع و قالوا في حماس :" ما هي ؟!! "
حيث سحبت يد خالد إلى الداخل و هتفت بهم :" خالد سيتناول عشاءه اليوم معنا "
ابتهج عادل و دُهشت غيداء .. و لكن خالد هتف في غضب :" غير صحيح .. "
حيث نهض عادل من كرسيه و اقترب من ابنه و سحبه و أجلسه على أحد المقاعد بقرب وائل ..
بدا خالد منزعجاً من الجلوس بقرب أخيه .. حيث جلس عادل على مقعده و الفرحة تغمر قلبه ..
و أعدت غيداء الطعام على الطاولة .. و جلست على مقعدها .. بدأ الأطفال في تناول طعامهم .. و لكن خالد كان يرمق الجميع بتلك النظرة المجهولة من دون أن يأكل شيئاً .. حتى خاطبه أباه :
" خالد .. ألن تأكل شيئاً ؟!! " حيث قلت أنا :" يبدو أنه يفضل البرتقال .. أليس كذلك ؟!! "
كان صامتاً .. ففتحت أنا الثلاجة و أخرجت منها برتقالةً و غسلتها جيداً .. و وضعتها في صحن مع سكين .. و قدمتها له .. حملق هو بي .. حمل السكين و أخذ يقطع البرتقالة تقطيعاً عشوائياً ..
مما جعل وائل يضحك و يسخر قائلاً :" ألا تعرف حتى كيفية تقطيع البرتقال ؟!! "
رمق خالد أخاه بنظرة حادة .. حيث سحب وائل من يد خالد السكين :" هاتها لأعلمك ذلك "
و لكن خالد سحب من يد وائل السكين بقوة و بسرعة .. و هذا ما أدى إلى خدش في يد وائل .. فأخذ يبكي و يصرخ .. رغم أن الخدش بسيط .. فأسرعت غيداء إلى ابنها .. خاطبها بخوف :" أمي .. أنه دم " رمقت غيداء خالد بغضب .. حيث كان بكل برود يكمل تقطيع البرتقالة .. من دون أن يتأثر بصرخات أخيه .. اتجهت غيداء نحو خالد .. و هو لا يكترث بها .. بل لازال يقطع تلك البرتقالة ..
صرخت به :" خــــــالد .. " رفع هو رأسه .. فصرخت به :" لقد جرحت يد أخيك " ..
قال بلا اكتراث :" لا يهمني .. " اقتربت منه و يال دهشتي .. باغتته بصفعة قوية ..ما هذا ؟!! إنها تضرب ابنها و هي الأعلم أن الضرب وسيلة سيئة لتهذيب الطفل ..
بقي خالد متسمراً يحملق بوالدته و عادل يكاد ينفجر غيظاً .. أما غيداء تقف أمام ابنها و لازلت تنظر إليه بقسوة .. حملق خالد بأمه ثم نظر إلى وائل بحقد و كره شديد ..ثم رمى بالسكين على الصحن بغضب و مشى خارجاً المطبخ .. منكسراً ..
ركضت أنا لاحقةً به .. اتجه هو نحو غرفته كالعادة .. فصرخت أنا بغيداء :" ماذا فعلتِ ؟!! "
حيث ضمت هي ابنها وائل و خاطبت سمية تتجاهلني :
" أحضري اللاصقات من صندوق الإسعافات الأولية "
نهضت سمية من كرسيها و اتجهت نحو ذلك الصندوق و أخرجت كيس اللاصقات ..و قدمتها لغيداء .. حيث اتجهت نحوها و أمسكت يدها :" لماذا ضربتيه ؟!! و أنتِ تعلمين أنه لم يقصد ذلك ؟!! "
صرخت بي :" أرجوكِ ذكرى .. لا تتدخلي بيني و بين ابني "
تركت يدها و خاطبتها بهدوء :" حسنٌ .. و لكني لن أسمح لكِ بضربه مرة أخرى "
و اتجهت نحو غرفة خالد .. أتمنى أن يكون بخير .. أتمنى ألا يكون قد تأثر من الداخل ..
طرقت الباب .. لم أسمع صوتاً .. فدخلت الغرفة ..رأيته مرمياً على الأرض .. و نائم بعمق ..( نوم المسكين المظلوم المتكوم على نفسه ) نائم على الأرض .. طبعاً فالسرير منكسر ..
يضم بيديه تلك الحقيبة المدرسية السوداء .. و لازال أثر تلك الصفعة واضحاً على خده ..
اقتربت منه .. و جلست بقربه .. أخذت أمسح شعره .. لماذا يمسك بهذه الحقيبة ؟!! أيحب دراسته لهذه الدرجة ؟!!سحبت الحقيبة السوداء من يديه بهدوء ..و لكني سمعت صوتاً فيها .. أنها ثقيلة ..
فتحتها .. ما هذا ؟!! سكاكين ؟!! مجموعة كبيرة من السكاكين ؟!!
رباه .. هل سارق السكاكين هو .. خــــالد ؟!! لا أصدق ..!!
كنت سأحمل الحقيبة لأريها عادل .. و لكن لحظة .. لماذا يسرق خالد السكاكين ؟!!أيريد بيعها ؟!! أم يريد أن يفعـل بها شيئاً آخر .. الأفضل أن أدعها عنده لأرى ما سيفعله بها ..نهضت .. خارجة من الغرفة و لكن .. يجب أن آخذ مفتاح الغرفة معي .. لكي أستطيع دخولها متى أشاء .. حملت المفتاح و وضعته في جيبي .. ثم أغلقت الباب بهدوء .. اتجهت نحو عادل و خاطبته :
" عادل .. هناك أمر أودك إخبارك به "
حيث رفعت غيداء رأسها و أخذت تراقبنا .. و نهض عادل و اتجه نحو الصالة .. فخاطبته بهمس :
" لحظة .. أتمنى أن تأتي لغرفتي .. لا أود أن يسمع ما سنقوله الأطفال و غيداء "
حيث هز رأسه بالموافقة و اتجهنا نحو غرفتي .. دخلتها و دخل هو من بعدي .. فأغلقت الباب بالمفتاح .. و جلست على مقعد و هو جلس أمامي .. خاطبني بخوف :
" ما به خالد ؟!! "
" أتعلم ماذا رأيت في حقيبته السوداء ؟!! "
" كتبه المدرسية ..؟!! "
" لا .. هناك شيء آخر .. ألم تتعرضوا لسرقة السكاكين ؟!! "
قال مندهشاً :" ابني هو السارق ؟!! "
" هذا ما تبين لي .. فقد رأيت في حقيبته مجموعة كبيرة من السكاكين "
" هل أنـــــــتِ متأكدة ؟!! "
" نــــــــــعـــــم .. "
" و الآن ما العمل ؟!! "
" الأفضل أن نبقيها معه لنعرف ماذا سيفعل بها .. أي أننا سنراقبه "
" كيف ذلــــــــــــك ؟!! "
" إلى حد الآن لا أعلم "
نهض هو :" حسنٌ .. سوف أبقي عيني مفتوحة عليه .. "
أخرجت أنا من جيبي مفتاح غرفة خالد :" أنا أخذت معي مفتاح غرفته .. و سوف أراقبه جيداً "
هز رأسه ايجابياً :" و أنا سأراقبه عندما أوصله للمدرسة و عندما أرجعه منها أيضاً "
حيث مشى خارجاً من الغرفة فاستوقفته :" عادل "
" أهناك شيء آخر ؟!! "
" أتمنى ألا تخبر غيداء بذلك .. فتفسد كل شيء "
" حســــــــنٌ "
خرج هو من الغرفة .. فاستلقيت أنا على فراشي ..
رن هاتفي المحمول .. أسرعت إليه و حملته و قربته إلى أذني :" مرحباً .. من المتكلم ؟!! "
" مرحباً ذِكرى .. كيف حالكِ ؟!! أنا أخيك مازن .."
خاطبته بفرح يغمرني :" كم اشتقت إلى هذا الصوت .. منذ متى و لم تحادثني ؟!! "
" منذ زمن بعيد .. أأنتِ بخير ؟!! "
" نعم .. فأنا أعيش في بيت عادل فتاة محبوبة و محترمة "
حيث قهقه :" محترمة ؟!! من يحترمكِ ؟!! لا تقولي أخوتي .. فهم قليلو الأدب "
" لا .. ليس لهذه الدرجة .. يحترموني جداً و يحبوني ..أنا مرتاحة هنا .. و لكن خالد يثير حيرتي "
" لا .. لا تفكري به و لا تشغلي نفسك به .. لطالما كنت أفكر به إلى أن سبب لي نوبات جنونية "
ضحكت :" حقاً ؟!! "
" نعم .. كذلك غيداء تأذت كثيراً منه .. بل جُنت .. و لكن عادل يقول أنها أصبحت أفضل الآن "
" ألا يستحق مني خالد حتى الاهتمام ؟!! غيداء أصبحت تهمله كثيراً .. "
" أعتقد أنه تعرض إلى حدث جعله هكذا .. "
" حدث ؟!! مثل ماذا ؟!! "
" قد يكون سمع أو رأى شيئاً لا يناسب عمره .. "
" ماذا ؟!! و لكن ..... "
حيث قاطعني :" ذِكرى .. كفانا حديثاً عن خالد .. لدي بشرى سارة "
" ما هـــــي ؟!! "
" زوجتي .. حامل "
صرخت بفرح شديد:" آه .. مبارك لك .. سوف أزورك غداً صباحاً .. و الآن أريد أن أنام "
أقفلت المكالمة و غطيت جسدي باللحاف و غططت في نوم عميق ..
و في صباح اليوم التالي استيقظت من النوم و اتجهت للمطبخ ..
حيث كان الجميع يتناول فطوره عدا خالد .. أظنه ينتظر أباه في الخارج ..
جلست على أحد المقاعد .. حيث خاطب عادل زوجته :
" عزيزتي .. اليوم سوف أتأخر عن البيت .. هناك عمل يستوجب علي إكماله اليوم "
هزت هي رأسها :" عافاك الله "
حيث قلت أنا:" و خالد ؟!! "
بدت غيداء مستغربة :" ما بــه ؟!! "
" من سيوصله من المدرسة إلى البيت اليوم ؟!! "
" السائــــق"
" لا أظنه سيقبل الركوب مع الأطفال "
" عندما يعلم أن لا أحد سيوصله .. سيركب رغماً عنه "
حينها بقينا في صمت و نحن نتناول فطورنا .. فأقطع أنا ذلك الصمت قائلة :
" اليوم سأزور مازن في بيته .. زوجته حامل أخيراً "
صرخ عادل بفرح :" حقاً ؟!! و أخيراً ؟!! بعد مرور ثلاث سنوات من زواجهما .. "
" نعم .. نعم .. "
ثم أخذت غيداء تناقش زوجها في هذا الموضوع فقاطعتهما :" عادل .. كنت أفكر في أمر .. ما رأيك أن نعيد ترتيب غرفة خالد .. من حيث الصبغ و الأثاث .. و كل شيء .. أظن أنك لا ترضى أن ينام ابنك على الأرض .. و لا ترضى أن يمكث ابنك في غرفة أشبه بالكهف المهجور .. أليس كذلك ؟!! "
هز رأسه ايجابياً :" نعم .. "
" حسنٌ .. أنا سوف أختار كل شيء لغرفته .. و سوف نبدأ في صبغ الغرفة اليوم .. "
" نعم .. اتفقنا "
خاطبته :" هناك شيء آخر "
سألني :" ما هو ؟!! "
" سوف أعود لعملي غداً .. "
قال مستغرباً" لمَ العمل عزيزتي ؟!! أنا هنــ.. "
قاطعته :" عادل .. عملي يسليني .. "
" كما تشائين "
ثم نهض خارجاً من المطبخ .. ثم من البيت ..
لحقت به .. وقفت بقرب الباب .. هناك يجلس خالد على الكرسي الأمامي للسيارة ..
ممسكاً بحقيبته السوداء .. التي تحتوي على السكاكين .. و ها هو عادل يصعد السيارة لينطلق بها .. و ها هم الأطفال يخرجون من المنزل متجهين نحو السيارة التي ستوصلهم ..
دخلت البيت و اتجهت نحو غرفتي .. و لبست عباءتي و شالي و خرجت منها متجهة نحو غيداء :
" ألن تأتين معي إلى بيت مازن ؟!! "
ابتسمت :" لمَ آتي .. ؟!! زوجته لا تطيقني .. "
اقتربت منها و ضحكت :" غيداء .. زوجته أيضاً لا تطيقني .. و لكني سأذهب لأجل مازن "
أشارت برأسي بالنفي " لا أتحمل كلماتها الجارحة .. و تعمدها في إحراج الآخرين و قلة أدبها "
" كما تشائين .. "
ثم نهض خارجاً من المطبخ .. ثم من البيت ..
لحقت به .. وقفت بقرب الباب .. هناك يجلس خالد على الكرسي الأمامي للسيارة ..
ممسكاً بحقيبته السوداء .. التي تحتوي على السكاكين .. و ها هو عادل يصعد السيارة لينطلق بها .. و ها هم الأطفال يخرجون من المنزل متجهين نحو السيارة التي ستوصلهم ..
دخلت البيت و اتجهت نحو غرفتي .. و لبست عباءتي و شالي و خرجت منها متجهة نحو غيداء :
" ألن تأتين معي إلى بيت مازن ؟!! "
ابتسمت :" لمَ آتي .. ؟!! زوجته لا تطيقني .. "
اقتربت منها و ضحكت :" غيداء .. زوجته أيضاً لا تطيقني .. و لكني سأذهب لأجل مازن "
أشارت برأسي بالنفي " لا أتحمل كلماتها الجارحة .. و تعمدها في إحراج الآخرين و قلة أدبها "
" كما تشائين .. "
جلست على أحد المقاعد أنتظر عودة السائق .. ليوصلني إلى بيت أخي ..
تذكرت عملي الذي اشتقت إليه .. تصميم الديكور .. الابتكارات و الأفكار .. كم اشتقت لذلك ..
سوف أطبق كل إبداعاتي في غرفة خالد .. ياه .. كم أنا مشتاقة لذلك .. سوف أحضر حاجاتي و أصبغ الغرفة اليوم .. و غداً سوف أبدأ في الأثاث .. سوف أجعل من غرفته رائعة ..
..
رجع السائق .. فنهضت متجهة للسيارة .. صعدتها فانطلقت .. و ها أنا أصل إلى بيت مازن .. أخي مازن .. عمره ثلاثون سنة ..استقبلني هو بحرارة .. و جلس معي في الصالة .. حيث خاطبني :
" تبدين رائعة "
ضربت كتفه خجلة :" كفى .. ذلك يحرجني "
ضحك هو :" لازلتِ طفلة "
خاطبته :" مازن .. هل كانت هواية خالد جمع السكاكين ؟!! "
قال مستغرباً :" و هل هناك هواية كهذه ؟!! "
" لا أعلم .. و لكنه جمع معضم السكاكين في حقيبته المدرسية دون أن يخبرنا "
" خالد فتى غريب ..لقد تغير فجأة من دون أن ندري ما الأسباب و لكني أشك في شيء "
" ما هو ؟!! "
" في أحد الأيام و منذ كان عمره خمس سنوات ..اصطحبته معي إلى زيارة صديقي في إحدى القرى .. مررت أنا و صديقي و خالد في أحد الأزقة المخيفة .. المليئة بالكلاب .. و الرائحة العفنة .. كنت منشغلاً في الحديث مع صديقي .. و لم أكن أنتبه لخالد .. فجأة .. لم أره يمشي معنا .. أخذت أبحث عنه .. عدت إلى بداية ذلك الزقاق .. و عدت أمشي و أبحث عنه .. إلى أن وجدته يجلس بقرب أحد البيوت القديمة المهجورة التي لا يسكنها أحد ..بدا و كأنه رأى شيئاً لم نعلمه إياه من قبل ..كان مصدوماً سارحاً .. أنا أشك أنه رأى قاتل و مقتول .. "
صُدمت :" ماذا ؟!! كيف ذلك ؟!! "
" ذِكرى .. ألا تذكرين خبر مقتل الكاتبة المشهورة " سناء " ؟!! "
" بلى .. لقد رأوها مرمية في أحد البيوت المهجورة .. و لحد الآن لم يكشفوا القاتل الذي قطّعها و عذبها حتى ماتت.. رأيت صورتها في أحد المجلات و هي على هذا الحال ..هناك إشاعة تقول أن القاتل مريض نفسياً "
هز رأسه :" نعم .. ذلك صحيح .. أظن أنه رآها و هي مقطعة هكذا .. "
كان ما يقوله مازن يصدمني .. أمعقول أن أمر خالد خطير جداً .. أي أن هذه الفئة خطيرة لدرجة أن لا أحد يسكن معها في بيت واحد .. أنه طفل و قديظن القتل شيء مسلي .. و قد يكون جمعه للسكاكين أمر لا يسكت عنه .. قد يحاول إيذاءأحد ما ..
رباه .. غيرته من وائل و صفعة غيداء .. و تلك النظرة الغريبة .. هلينوي خالد الانتقام ؟!!
لا أصدق .. يجب أن أقنع غيداء أن تتعاطف مع خالد أكثر ..
بعد سرحاني .. ها أنا صوتاً ما :" ما هذا ؟!! مازن .. أختك لا تسمعني .. "
التفت إليها .. ريما .. زوجة أخي .. تقف أمامي .. :" ذِكرى .. فيمَ تفكرين وأنا أمامكِ ؟!! "
نهضت لأسلم عليها .. فقط لرضا أخي .. :" كيف حالكِ ريما ؟!! مبارك على الحمل .."
" أشكركِ .. ألا تفكرين بإنجاب الأطفال .. فزوجكِ سوف يطلقكأم لم تنجبي له شيئاً "
رمقتها بدهشة و بعتاب :" ريما ألا تعلمين أن ... أن زوجيطلقني و تزوج غيري ؟!! "
أنها تتعمد ذلك .. لا أصدق أن مازن لم يخبرها بعد .. منشدة غضبي استأذنت مازن بالانصراف .. و خرجت غاضبة جداً .. لا أدري ما الذي يعجبمازن في هذه الفتاة .. قبيحة و قليلة أدب .. و الكثير ..
أوصلني السائق بعد ذلكإلى مكتب عملي .. حيث أخذت حاجاتي من صبغ و أدوات رسم على الجدار و غيره الكثير .. ثم عدت للبيت .. خلعت عباءتي و شالي و وضعتها في خزانتي .. ثم اتجهت نحو غرفة خالدحاملة حاجاتي .. و لحقت بي غيداء .. وقفت أنا وسط تلك الغرفة و رفضت غيداء الدخول .. حيث خاطبتني :" أأنتِ متأكدة أنكِ سوف تعيدين صبغ الغرفة و تعديل الأثاث و غيره؟!! ذِكرى .. خالد سيغضب كثيراً "
" نعم .. و الآن لا تشغليني يا غيداء .. "
انصرفت غيداء و بدأت أنا بالخزانة .. فتحتها .. الغبار يخنقني .. ما هذا ؟!! ملابس خالد مغبرة جداً ..
أخرجتها جميعها .. و وضعتها في حقيبة كنت أحضرتها معي .. و بدأت بإخراج الخزانة من الغرفة .. ثم السرير ثم المكتبة .. و بقية الحاجاتالتي لا أجد لها نفعاً .. رميتها في سلة المهملات ..
هكذا أصبحت الغرفة فارغةتماماً.. حان وقت صبغ و تلوين الجدران .. ارتديت الملابس الخاصة لذلك ..
و بدأتفي صبغ الغرفة .. فكرت أن أضيف إلى الغرفة جواً جميلاً .. بوجود لوني ( الأزرق والأصفر ) ..
رسمت بعض الرسومات البسيطة على الجدران..التي تزيد من جمالها ..باللونين ( الأحمر و الزهري )
بعد فترة .. انتهيت من عملي .. وقفت أنظر إليه.. ياه .. عمل جبار .. أستحق عليه الثناء ..
أتمنى أن يعجب خالد بذلك .. و لكن لحظة .. خالد فكره تغير تماماً .. أي أنه بقي يفكر دائماً بالقتل و كيف يحدث .. لم تعدهناك مساحة في عقله ليفكر بأي شيء آخر ..
خالد إنسان خطير يجب ألا أتهاون به .. فهو شهد عملية قتل بشعة .. و ربما اعتبر قاتل تلك الكاتبة مثله الأعلى ..لذلك هوالآن يحتفظ بالسكاكين لكي يقوم بتجربة ..
لا .. رباه .. لا أصدق .. أنه أمر خطيرجداً .. على أسرة فيها خمسة أطفال معرضون للقتل من قبل طفل مجنون .. يا إلهي ساعدني .. أأخبر عادل بما سمعته من مازن ؟!! قد يخبر زوجته .. و زوجته تجهل علم النفس .. الأفضل أن أعالج مشكلة خالد بنفسي ..
خرجت من الغرفة فإذا بالأطفال يدخلون البيتبمرح .. أظن أن خالد عاد ..
ماذا ستكون نظرته لإبداعاتي على جدران غرفته ياترى ؟!!
ركضت متجهة نحو الباب الرئيسي .. لم أجد خالد .. فعدت أسأل الأطفال :" أين خالد ؟!! "
قالت سمية :" لا يريد الركوب معنا .. فتركناه في المدرسة و جئنا "
صُعقت .. صرخت بهم :" تركتموه في المدرسة وحده ؟!! "
هزت سمية رأسها ببساطة و قالت :
" هو من رفض الركوب معنا .. فلم نتعب أنفسنا في إقناعه .. فعدنا "
و قال وائل :" لقد قال أنه سينتظر والدي .. "
صرخت بهم :" أغبياء .. أغبياء .. "
و ركضت متجهة نحو الهاتف .. و أخذت أبحث في دفتر أرقام الهواتف عن رقم مدرسته .. و ها أنا أجده ..فضربت الأرقام بسرعة .. و ها هو أحدهم يخاطبني :
" مرحباً .. هنا مدرسة العدالة الابتدائية .. من المتكلم ؟!! "
قلت بارتباك :" سيدي .. ابني يجلس أمام المدرسة .. هل لك أن تدعني أحادثه؟!! "
( ابني ) .. لم أدري لماذا قلتها .. قلتها بلا شعور .. قد أكون أعتبره ابني .. خاطبني السيد :
" حسنٌ .. هناك فتى رفض الركوب مع إخوته .. و هذا ما جعلهم يرحلون بدونه .. لحظة من فضلك لكي أناديه "
كنت مرتكبة جداً .. و حولي الأطفال يحدقون بي .. و ها هي غيداء تخرج من المطبخ تحادثني :" ذِكرى .. لقـــ... " و لكني أشرت لها أنني لا أريد محادثتها الآن ..
سمعت ذلك الصوت .. كان صوتاً رائعاً بالرغم من جفافه :" نعم "
صرخت بانفعال :" خالد ..!! خالد .. أأنت مجنون ؟!! لم تجلس وحدك في المدرسة هناك .. لمَ لم تصعد مع الأطفال السيارة .. أباك لن يأتي لإحضارك لأنه مشغول .. "
خاطبني بلا اهتمام و لا اكتراث :" أنا لن أصعد معهم .. "
" و الآن ؟!! هل ستبقى وحدك هناك ..؟!! يا لك من عنيد.. حسناً .. يستوجب على السائق أن يأتي لإيصالك مرة أخرى "
و لكنه قهرني بقوله :" لا .. لا أريد الصعود معه .. "
صرخت به :" إذاً ماذا تريد ؟!! "
" سأنتظر والدي "
صرخت بقوة :" أأنت غبي ؟!! والدك مشغول .. ألا تفهم ذلك ؟!! أم عقلك المتحجر لا يستوعب هذه الكلمات أيضاً ؟!"
كنت أريد أن أفرغ شحنة قهر و غيظ و لكنه أقفل المكالمة و هذا ما ثار جنوني ..
نهضت و أنا أردد بغيظ .. :" اللعنة .. كيف خُلقت يا خالد ؟!! "
اتجهت نحو غرفتي و ارتديت عباءتي و شالي .. و خرجت منها .. فخاطبتني غيداء باستغراب :" إلى أين ؟!! "
خاطبتها بنفاذ صبر :" يستوجب علي الذهاب لإرجاع ابنكِ الغريب العجيب "
قالت مستغربة :" و هل لديك رخصة قيادة ؟!! "
ابتسمت :" منذ زمن بعيد .. لم أكن أتوقع أنني سأحتاج لها .. "
خرجت من المنزل و أخذت مفاتيح السيارة من السائق .. ثم صعدتها ..ياه .. كم اشتقت لقيادة السيارة ..قدت السيارة بحذر شديد .. لا أخفي عليكم ..لازلت أخاف قيادة السيارة .. قدتها بحذر حتى وصلت لتلك المدرسة .. هبطت من السيارة ..
كان خالد يجلس على عتبات مدرسته يضم بيديه تلك الحقيبة و يراقب الحمام التي بقربه ..
شعرت بغيظ .. ألا يفهم هذا الفتى ؟!! حسنٌ سوف أريك يا خالد .. اتجهت نحوه .. صرخت به :" خـــــــالــــد "
تطايرت الحمام مفزوعة .. أما هو لم ترتعش منه شعرة .. رمقني بتلك النظرة مجدداً و هذا ما ثار غضبي .. فسحبته من قميصه .. فقطب هو حاجبيه :" لن أصعد مع أحدٍ غير أبي "
صرخت به :" بل ستصعد معي رغماً عنك .."
الجميع آنذاك ينظر تجاهنا ..فعلاً ..خالد سبب لي نوبات جنونية .. عنيفة أيضاً .. و لازال يرمقني بتلك النظرة .. جررت هذا العنيد الغريب من قميصه إلى السيارة ..أرغمته على صعود السيارة ..ثم صعدتها أنا من جهة مقعدي ..
قبل أن أنطلق بالسيارة خاطبته بغضب : " أيعجبك أن أجرك هكذا أمام الناس ؟!! "
كان صامتاً .. بل كان لا ينظر لي .. قد أكون أخطأت في حقه ..يا لي من مجنونة ..من يرضى أن يهان أمام الناس ؟!! رباه .. لقد ظلمته .. شعرت بالندم ..خاطبته أكثر لطفاً :
" خالـــــد "
لم يلتفت لي .. و لم ينظر لي .. رباه يا لي من قاسية .. لم أفكر أنه قد يكون حساساً أكثر من بقية الأطفال .. لم أفكر إن ما قمت به قد يؤثر على نفسيته .. مددت يدي و أخذت أعبث بشعره الأسود الكثيف .. لكنه بدا غاضباً مني .. أنه لا ينظر لي .. سحبت يده و ضممته إلي حجري بحنان .. علي أن أعوضه حنان أمه .. لا أزيد قسوتها ..
مسحت شعره الكثيف .. قد يكون لأول مرة يحظى على حضن دافئ يضمه ..قبلت رأسه و خاطبته بلطف :
" عزيزي .. أتمنى ألا أراك تكرر هذه الحركة التي تغيظني .. أهذا مفهوم ؟!! "
هزّ رأسه لأول مرة بالموافقة .. كنت أظنه رأس العناد و رأس التمرد و التضاد ..و لكن ليس هناك فتى هكذا .. إلا إذا كان خالد هو الأوحد في العالم هكذا و أنا من غيرته ..أكون قد أنجزت عملاً جباراً .. أستحق عليه الثناء و المدح و الشكر ..قدت السيارة .. فنظر إلي .. همس مستغرباً :
" أتجيدين قيادة السيارة ؟!! "
ضحكت :" نعم .. و هل ذلك لا يناسبني ؟!! "
صمت هو .. فخاطبته :" لدي مفاجأة لك "
نظر إلي مجدداً .. فقلت أنا :" سوف تراها عندما نصل للبيت "
و عاد يصمت و هو يضم بيديه حقيبتهالسوداء .. التي تحتوي على السكاكين ..و عندما وصلت للمنزل نزلت من السيارة و نزلهو أيضاً .. ضاماً بيديه تلك الحقيبة ..وضعت ذراعي على كتفه بلطف و مشيت معه إلىداخل المنزل ..حيث اتجه هو نحو غرفته .. فلحقت به .. فتح هو باب غرفته ..
و بدتملامح الدهشة على وجهه عندما رأى ما صبغته أنا على جدران غرفته ..رمقني بنظرته تلك :
" من فعل بغرفتي هكذا ؟!! "
ابتسمت :" أنا .. ألم يعجبك ؟!! "
تقدم هوخطوتين للأمام و أخذ يحدق في الغرفة ..ثم خاطبني :" لمَ فعلتِ هذا ؟!! "
" لأنيلا أرضى أن تكون غرفتكِ عادية .. و أنت لست عادي "
أخذ يرنو إلي .. ثم خاطبني :" و أين حاجاتي ؟!! "
ابتسمت :" و هل تسميها حاجات ؟!! كلها خردة مغبرة .. "
رمقني مقطباً حاجباه .. ثم قال غاضباً :" لا تقولي أنكِ ........ "
قاطعته :" لا .. لم أرمها .. بل وضعت كل شيء في المخزن "
ثم ابتسمت :" و لكني سوف أغيرلك كل شيء .. "
و أشرت إلى تلك الحقيبة السوداء التي بحوزة يديه :" حتى هذهالحقيبة "
رمقني بنظرته تلك و ضغط بأصابعه على حقيبته :" إياكِ و لمسها "
يبدو أنه لا يريد مني معرفة ما بداخل حقيبته .. مسكين يا خالد .. لقد علمت ومنذ زمن بعيد ..
..
و في وقت الغداء .. رفض خالد تناول الغداء مع الجميع .. لذلك .. تركته يتناول غداءه في غرفتي ..
و جلست أنا معه أحادثه :" خالد .. لمتحدثني من قبل عن دراستك ؟!! "
رمقني بنظرته تلك :" لا حاجة لذلك "
يبدو أنهلا يطيق الحديث عن الدراسة ..خاطبته :" أتحب أخيك وائل ؟!! "
حملق بي طويلاً .. ثم نهض تاركاً طعامه .. و خرج من الغرفة ..
ما معنى ذلـك يا ترى ؟!!..
وفي وقت النوم .. وقف عادل وسط الأطفال ..:
" اليوم .. خالد لا يستطيع النوم فيغرفته لأن جدرانها مصبوغة .. من منكم يستقبله فيه غرفته "
صمت الأطفال جميعاً .. دلالة على الرفض التام .. حيث قال عادل :
" حسناً وائل سوف يستقبله في غرفته .. أليس كذلك يا عزيزي ؟!! "
صرخ وائل :" لا!!. لا يا أبي .. لا أريد النوم معه "
نظر إلي عادل يستجديني .. ثم خاطب إياد مبتسماً :" آه .. إياد سوف يستقبله .."
صرخ إياد بغضب :" و من قال ذلك ؟!! "
حملق عادل بالأطفال و هو محتار .. حيث خرج خالد من الحمام .. خاطبته أنا :
" خالد .. سوف تنام معي اليوم بينما يجفصبغ غرفتك "
رمقني بنظرته تلك و اتجه نحو المخزن ليبحث عن ملابس نومه ..
أماعادل فابتسم في وجهي ابتسامة شكر و امتنان ..
تحيااااااااااااااتي محب ال البيت