الأخ الهدهد :
تقول : فحديثي لم يكن في الفتاوى فقط .
ومع ذلك هناك من الفتاوى الخاطئة تلك التي تسبب فتنة بين المسلمين بل تودي بالمجتمع الإسلامي في بحر من الدماء من ذلك فتاوى تكفير المسلم وإباحة قتله .
إذن انت لم تنفي انك تنقل الفتاوى بقصد تخطيأها وبقصد تسخيفها او التقليل من شأنها . ورغم ذلك أنا لا أمنع من نقاش الفتاوى بالطريقة العلمية الرزينة التي تناقش الفقيه في ادلته التفصيلية او تعارضها على الاقل بآراء الفقهاء الأخرى لا ان تأتي و تناقش خلاصة الفقيه بمنطوق فتاواه , ففتاوى التكفير واباحة دماء المسلمين تكلم بها علماء المسلمين واشبعوها بحثا ولا ضير من الكلام بها وعرض اراء العلماء بها
, اما نقل الفتاوى الأخرى على لسان كبار المراجع ثم تنعتها بالغريب كما فعلت و فعلت اختك رحيق الجنة من دون نقاش لأدلتها الفقهية او معارضتها بأقوال العلماء المنافسين لهذا العالم في هذا المجال فهذا هو الخطأ
و أذكرك بخلاصتي المهمة التي قلت بها :
الخلاصة : لكل فقيه دليله الفقهي , ناقشه فيه , اما ان توصم فتاواه بالغريبة , او انك تدعوا الى نقدها وتصحيحها فهذا لا يتم الا بالنقاش في الادلة الفقهية لا بالأمزجة وثقافة الصحف .
هذا ما نريد .
ثم يا أخي العملية تخصص , فأنت اذا لم ترد التقليد فلك أن تجتهد , فطريق الإجتهاد و التخصص مفتوح , اما ان تعترف بفسك بأنك غير مجتهد و لا متخصص وتريد بعاميتك ان تناقش المختص و المجتهد فهذا هو الخطأ ,
ان اهم ميزة ميزت هذا العصر الحديث هو التخصص , و التخصص داخل التخصص , فإذا كان لك كأقل تقدير اعتراض على قول مختص ما , فعليك ان تعارضه بقول مختص اخر او ان تسأل مختص اخر فيه وتسمع رأيه و تتبع من يرى فيه اهل العلم والاختصاص ارجحية رأيه
, لا ان تجعل نفسك ناقد و انت لا تمتلك ادوات النقد . اعذرني يا اخي الهدهد , ولكن لو تركنا العملية سائبة لكل من اراد نقد الفقهاء , لما احتجنا الى التخصص , بل و لما احتجنا الى التقليد من الأصل .
أما نقلك عن السيد محمد حسن الأمين هذا القول
" استخدام البعض لقاعدة ( الراد على الفقيه كالراد على الله) كان استخداماً ضاراً؛ لأنه أسهم في إضفاء القداسة على عمل الفقيه، والذي هو في محصلته عمل بشري نسبي تاريخي قابل لكل أشكال النقض والاختلاف والرد كما التبني والموافقة والقبول.
وما دام جانب كبير من عمل الفقيه يعتمد على علوم كثيرة ليست من اختصاص الفقيه وحده، فإن مجال التدخل والنقد في عمل الفقيه ليس مقصوراً على الفقهاء وحدهم، بل من حق المتوفرين على هذه المعارف التي يرتكز عليها عمل الفقيه أن يتدخلوا من مواقع معرفتهم واختصاصهم، فلا تنطبق عليهم قاعدة ( الراد على الفقيه ....) إذ لهذه القاعدة- كما نعتقد – سياقها الخاص الذي لا يسمح بتعميمها على الطبيعة البشرية لعمل الفقيه . ) "
فاسمح لي بهذه المناقشة :
اولا من الذي يقول ان عمل الفقيه عمل غير مقدس , انه مقدس , فليس كل من شاء الدخول فيه له ان يدخل به , لكنه غير معصوم , فقداسة العمل شيء وعصمته من الخطأ شيء آخر فهو كما قال السيد عمل بشري نسبي تاريخي قابل لكل أشكال النقض والاختلاف والرد كما التبني والموافقة والقبول ولكن بشرطها وشروطها , فإذا كان النقاش في الأدلة التي يستعرضها الفقيه و في مبانيه الفقهية فلا بأس , بل ذلك أمر ممدوح , لكن ليس بالإستغراب وحده او النقد و التخطيء ممن لا ناقة له ولا جمل في الفقه والفقهاء , وليس بثقافة الصحف , فإذا كان هذا هو الفهم الذي فهمته من كلام السيد فاسمح لي ان اقول ان فهمك خاطيء وحتما السيد لايرى ما تراه .
و الا فكيف " يحق للصحفي والمثقف والأديب والشاعر واللغوي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والنفساني والفلكي والطبيب وو ... التدخل في رأي الفقيه كل من منطلق اهتمامه واختصاصه في المسألة المنظور فيها بالتدخل العلمي البعيد عن التهريج والسخرية .
فالمسألة ليست في نقض فقيه بأكمله، المسألة تتعلق برأي في نقطة ما، وليس بشخص معين"
فمن أين للصحفي و المثقف والاديب والشاعر , التخصص الواعي و القدرة على مزاحمة الفقهاء .
أليس هذا ما يريد حديث ( الراد على الفقيه كالراد على الله) أن يمنعه , والا فما هو دور الحديث أخي الهدهد , فلم تبقى أحدا الا و ادخلته , اذا من الذي تبقى ليصبح رده على الفقيه كرده على الله .
وأما نقلك عن السيد " وما دام جانب كبير من عمل الفقيه يعتمد على علوم كثيرة ليست من اختصاص الفقيه وحده، فإن مجال التدخل والنقد في عمل الفقيه ليس مقصوراً على الفقهاء وحدهم، بل من حق المتوفرين على هذه المعارف التي يرتكز عليها عمل الفقيه أن يتدخلوا من مواقع معرفتهم واختصاصهم، فلا تنطبق عليهم قاعدة ( الراد على الفقيه ....) إذ لهذه القاعدة- كما نعتقد – سياقها الخاص الذي لا يسمح بتعميمها على الطبيعة البشرية لعمل الفقيه ."
فأقول هذا الكلام صحيح مئة بالمئة , فالفقيه يحاول بما لدية من أدلة فقهية ونصوص شرعية ان يستنبط الحكم قدر استطاعته , الا ان الفقيه نفسه لا يعتبر نفسه متخصص في كل علوم الحياة , بل يجب أن يأخذ بمشورة أهل الإختصاص في عصره , في الأمور التشخيصية بالدرجة الأولى , أما الأحكام الأساسية فلا مفر من اعتماد النصوص الشرعية . و اذا كان تدخل المختص في مجال معين على الفقيه جاء من اختصاصه وجاء بعد فهمة لأدلة الفقيه العلمية التي في مجاله هو والتي يعتقد انه أخطأ بها فله ان ينبهه او يعارضه , لكن انظر كل ذلك للمختص , لا لكل من لا تستهويه فتوى معينة . فهذا الكلام يتفق تماما مع ما قلته في خلاصتي لك .
و الاستخدام الضار لقاعدة ( الراد على الفقيه كالراد على الله) لا ينفي صحتها و لا ينفي التشدد في النهي عن معاضة الفقهاء من عامة الناس , فهل تجد ان هذه الرواية تمنع الفقيه الاخر من الرد على الفقيه الأول , او انها تمنع المختص كل بمجاله من الحديث في مجال اختصاصه , ام انها جائت لتمنع العوام المقلدين من التدخل فيما لا يعنيهم , والتحرز من تهوين الفقيه او التقليل من شأنه . و الا لأصبحت العملية بكلامنا العامي " خبصه" ينتخب من الفتاوى ما تعجبه ويترك ما يكرهه او تقيده و تتعبه . ان هذه الرواية موجهة الى المقلدين للألتزام التام بكلام الفقهاء و حثهم على التحرز في نقد الفقهاء , والالتزام بفتاواه و الا لأصبح الفقيه لا مركزية له ولا اهمية .
و الشكر موصول للجميع .