أما عن رواية لعن أبي الخطاب، فما أحب التنويه عليه بأن أبا الخطاب هنا ليس عمر بن الخطاب، وإنما هو صاحب فتنة في عصر الإمام الصادق عليه السلام كما هو مبين من خلال ما سبق من الصفحات التي نقلت منها الرواية، وإليك ما جاء في كتاب الملل والنحل: الخطابية أصحاب: أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع مولى بني أسد، وهو الذي عزا نفسه إلى أبي عبد الله جعفر ابن محمد الصادق رضي الله عنه، فلما وقف الصادق على غلوه الباطل في حقه: تبرأ منه ولعنه، وأمر أصحابه بالبراءة منه، وشدد القول في ذلكن وبالغ في التبري منه، واللعن إليه؛ فلما اعتزل عنه ادعى الإمامة لنفسه. زعم أبو الخطاب: أن الأئمة أنبياء ثم آلهة، وقال بإلهية جعفر بن محمد وإلهية آبائه رضي الله عنهم؛ وهم أبناء الله وأحباؤه... ولما توقف عيسى بن موسى صاحب المنصور على خبث دعوته: قتله بسبخة الكوفة. <1>
الإمام حينما لعنه لم يكن اللعن في شخصه، إنما جاء اللعن لينفر الناس عن خطه ويحذرهم من خطره، وأيضاً فيه بيان علني لموقف الإمام من أبي الخطاب وجماعته كي لا يظن أحدٌ أنه من أصحاب الإمام فينخدع بدعوته المنحرفة.
مثل هذا اللعن الذي جاء على صيغة الدعاء (وليس اللعن السبي البذيء)، يعد حالة خاصة جاءت ضمن سياق معين لا يمكن تعميمها أو إعطائها عنواناً عاماً، لأنه يوجد بالمقابل أحاديث وروايات كثيرة تنهى عن اللعن والسب وهذه الكثرة تفيد التأكيد عن الكف، وكأن العنوان العام النهي عن الممارسة .
أوليس القائل لسَمَاعَةَ: يَا سَمَاعَةُ مَا هَذَا الَّذِي كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ جَمَّالِكَ؟ إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ فَحَّاشاً أَوْ صَخَّاباً أَوْ لَعَّاناً !!.
فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ أَنَّهُ ظَلَمَنِي .
فَقَالَ : إِنْ كَانَ ظَلَمَكَ لَقَدْ أَرْبَيْتَ عَلَيْهِ، إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ فِعَالِي، وَلا آمُرُ بِهِ شِيعَتِي اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ وَلا تَعُدْ .
قُلْتُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلا أَعُودُ .<2>
و قيل له إنّا نرى في المسجد رجلاً يعلن بسبّ أعدائكم ويسبّهم .
فقال: ما له لعنه اللَّه تعرّض بنا قال اللَّه { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ } الآية. <3>
هذا ما يريده منا أهل البيت عليهم السلام أن نجذب الناس إليهم لا أن ننفرهم عنهم :
حدثنا الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدب ( رضي الله عنه ) ، قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى بن زكريا القطان ، قال : حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب ، قال : حدثنا تميم بن بهلول ، قال : حدثنا جعفر بن عثمان الأحول ، قال : حدثنا سليمان بن مهران ، قال : دخلت على الصادق جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) وعنده نفر من الشيعة ، فسمعته وهو يقول : معاشر الشيعة، كونوا لنا زينا، ولا تكونوا علينا شينا، قولوا للناس حسنا، واحفظوا ألسنتكم وكفوها عن الفضول وقبيح القول .<4>
وسأظل أردد قولك يا إمامي : ما أيسر ما رضي الناس به منكم، كفوا ألسنتكم عنهم .<5>
ــــــــــــــــــ
<1> الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص51.
<2> الكافي ج : 2 ص : 326.
<3> تفسير الصافي، ج2، ص: 148.
<4> الأمالي - الشيخ الصدوق - ص 484، أمالي الطوسي : 440 / 987.
<5> وسائل الشيعة للحر العاملي ج11 ص498.