المفترض مع الكلمات التي تستخدم لله عز وجل ألا نشرك بها غيره لانها ـ كما قلت أنت ـ لها مفهومها
التعبدي و ذلك إطار حرصنا على درء الشبهات وعدم الوقوع في خطأ استخدام كلمات تخص الله تعالى
مع اي من البشر.
ما هذا يا رحيق؟ على هذا الافتراض لا بدَّ أن نضع معجماً خاصاً بالكلمات
التي تستخدم لله عز وجل؛ كي لا نقع في المحظور الشرعي، وهذا ما لم يقم به الأوائل من السلف الصالح،
ما أكثر الكلمات التي تستخدم لله ولغيره، وأكبر دليلٍ نرجع إليه القرآن الكريم، فعلى سبيل المثال الرحمة
فهو الرحمن وهو الرحيم فمنه تطلب الرحمة وهذا لا يختلف عليه اثنان .
ومع ذلك يصف القرآن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه رحمة للعالمين وفي موضع آخر:
"لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ "[التوبة : 128]
أليست الرأفة والرحمة من الله فهو أرحم الراحمين ؟
قال تعالى :"وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ "[النور : 20]
فخطابي يا ربِّ ارحم ضعفي لا يتساوى مع ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء .
فكلا الخطابين فيهما طلب الرحمة لكن في الجملة الأولى من الله فهي الدعاء والثانية من المخلوق فهي التماس
وحث، وهذا هو الفرق الذي يحل الإشكال، وكذا الحال في السجود والركوع والمغفرة وبقية المفردات، فحينما
يكون الفرق جلياً في الاستخدام فلا شبهة الشبهة نحن مَن نوسوس بها ونصنعها لأنفسنا حاجزاً .
لا أريد التوسع أكثر فلست هنا بالباحث المستقصي .
السجود هو إذلال النفس وهو أقصى درجات الطاعة والانقياد والتسليم التام، وهذا لا يكون إلا لله عز وجل فهو
أمر تعبدي أمرنا الله بهِ والركوع كذلك إلا أنه أقل درجة من السجود .
في تعبير الأخت عاشقة حينما قالت : ركعتُ إليك، لم يكن بطريقة الركوع المتعارف عليها في الصلاة، ولم يدر
في خلدها المعنى التعبدي مطلقاً وقد وضحت ذلك وهذا يكفي في تبرير موقفها، فبما أن المفردة تحتمل
أكثر من معنى فالسياق كفيل بتفسير المعنى والسياق في جملة عاشقة ليس بسياق عبادة، فلماذا نحشرها
في معنى هي لم تقصده ؟ ونقول:
بأن ذلك غير جائز وربما نوصله للكفر والشرك، وكل ذلك بسبب احتمالٍ احتملناه مع أنه هناك احتمالات أخرى.
بقي الآن أن نستجلي معاً مفهوم السجود في الآية " ..اسْجُدُواْ لآدَمَ "
قلتِ: (هذا أمر من الله عز وجل بالسجود وعدم طاعته كما فعل إبليس تعد معصية لله) .
جميل هذا الجواب ولكن، كيف يأمرهم الله عز وجل بفعل غير جائز؟ كيف ؟
الآية واضحة جداً، فإما أن نقول:إن الله يأمرهم بمعصيته(السجود لغيره) وهذا محال أو إن فعل السجود له معنى
آخر وهذا يفتح لنا أفق التعبير في استعمال مفردة السجود .
فوجود الأمر يدل على الجواز لذا سنقول هنا بأن السجود ليس بمعناه التعبدي وهذا صحيح
وهذا ما كنتُ ابتغيه من عرض الآيات الثلاث لأبين معنى السجود بمفهومه غير التعبدي وكيف القرآن
توسع في هذا المجال واستعمله لغير الله، القرآن يترك المجال رحباً في التعبير ونحن نضع الحواجز والحدود .
وجميل أنك ذكرتِ تفسير الآية الثانية:
(خروا له سجداً تفسيرها أي هبطوا برؤوسهم نحو الأرض)
إذن أنت أتيت بالمعنى غير التعبدي للمفردة وهو ما نريد الوصول إليه في معرفة المعنى الآخر .
.
.