أتتني ذات يوم ، والحزن باد على محياها على غير عادتها. بادرتني بالتحية، فما ان رددت عليها السلام حتى اندفعت تسألني بتلقائيتها المعهودة: ألا زلت طفلة حقا؟!! لقد بلغت الثانية عشر من عمري ورغم ذلك لا زال الجميع يلقبني بالطفلة، لماذا؟!!
ابتسمت عندئذ مدركة سبب حزنها، وسألتها: أتعلمين معنى كلمة طفلة؟
رمقتني باستغراب، وأجابت: طبعا، فالطفلة هي الفتاة الصغيرة التي لا تملك القدرة على التمييز واتخاذ القرار المناسب ولذا فهي تحتاج لعون الآخرين ومساندتهم حتى تنضج وتصبح مؤهلة للاعتماد على نفسها وشق طريقها في الحياة.
- أفأنت هكذا؟
- كلا، ولذ أعجب من تسميتهم لي بالطفلة. أتراني مخطأة في تقيمي لنفسي أم يخطئ الآخرين في معرفتي ؟
- ليس الأمر كما تظنين، فما أخطات في تقييم نفسك ولا بخسك الناس حقك..
- فلم يسمونني بالطفلة اذن؟
- صغيرتي الغالية، نحن نحيا اليوم في زمن تغيرت فيه مفاهيم كثيرة، فما عادت المسميات تحمل المعاني ذاتها
..
.
..
.
فأنت طفلة.... لأنك صادقة لا تجيدين الكذب بل تقولين رأيك بكل صراحة ووضوح.
أنت طفلة... لأنك لا تجيدين الخداع أو النفاق.
أنت طفلة .. .لأنك لا زلت تمدين يد العون للجميع على حد سواء دون انتظار مقابل ولو كان مجرد كلمة شكر.
أنت طفلة .. لأنك تثقين بالآخرين وترين الخير هو الأساس فيما حولك فلا تشكين في اي شخص دون مبرر.
أنت طفلة .. لأن الكره لا يعرف طريقه الى قلبك الذي يفيض حبا وحنانا يشمل الجميع.
أنت طفلة .. لأنك رأيت الفوضى والفساد من حولك، فرفضت واقعك وسعيت لتغييره دون أن يصيبك اليأس أو الاحباط اذا ما فشلت بل نهضت من جديد لتعيدي المحاولة.
أنت طفلة .. لأنك لا تنخدعين بالمظاهر الزائفة، بل تهتمين ببواطن الأمور وحقائقها.. لذاا ابتعدت عن التفكير بالأزياء والكماليات والصرعات الغربية وكرست جل وقتك من أجل فهم نفسك وتغييرها نحو الأفضل وادراك ما يجري حولك من أحداث ترين ضرورة في التفاعل معها لتغيير مجرى التاريخ.
أنت طفلة .. لأنك تدافعين عن معتقداتك بكل صلابة، ولا تتخلين عنها ارضاءا الآخرين أومسايرة لهم دون اقتناع.
أنت طفلة .. لأنك قادرة على الاعتراف بأخطائك دون مكابرة، والانسحاب بهدوء من جدال عقيم لا فائدة ترجى منه.
لأجل كل هذا وأكثر، يلقبونك بالطفلة...
..
.
..
.
عادت الابتسامة الى وجهها المضيء، وودعتني وهي تتمتم بالحمد والشكر لأنها لا تزال طفلة.
..
.
..
.
ذهبت، وبقيت أفكر في أمرها.. أتراها تستطيع الصمود بطفولتها وبراءتها في عالمنا هذا أم تحطم صخور الواقع أحلامها؟! أيتركها الناس في سلام أم يحولون حيانها الى جحيم لا يطاق حتى تتنازل عن كبريائها ونبلها؟ اتراهم يدركون قيمتها وندرة وجود امثالها أم يتهمونها بالسذاجة والمثالية الفارغة؟ .. عندئذ تذكرت كلمات كنت قد قرأتها منذ أمد غير قريب:
" اذا أردت أن تكون انسانا نبيلا، فسوف تبدو غريبا. سينظر اليك الجميع وكأنك كائن عجيب قادم من عالم منقرض. ستكون منبوذا لا يكاد يلتفت اليك أحد، وستعيش غربة قاتلة" " لن يتركوك وحدك تمارس النظافة التي ترتاح اليها بل سيلومونك ويثبطونك ويحذرونك من مسلكك النبيل، لأن قدرتك على السمو ستعريهم وتكشف ضعفهم."
..
.
..
.
لا أعلم الى أين قد ينتهي بها المصير، لكني أغبطها على براءتها ونبلها، وأدعو الله أن يرعاها ويحفظها ويمنحني واياكم بعضا من طفولتها
سدرة المنتهى