الموضوع: قصة أعجبتني
عرض مشاركة واحدة
قديم 20-02-2006, 10:37 PM   رقم المشاركة : 7
ican........but
طرفاوي مشارك





افتراضي مشاركة: قصة أعجبتني

الفصل الثاني..

توالت ساعات الليل ولا رغبه لي في النوم ...فنجان القهوة إلى جانبي وأنا اترنّح على الكرسيّ الهزّاز في الشرفه،راحت عيناي تتأملان السماء في تفكّر وعجب ...سبحان الله..سبحان من أبدع هذه القطعة المتناثرة من السماء..سواد عقيم..تغشاه كواكب درّيه..النجوم بعيدة،والقمر يطلّ مزهوّا ببريقه الفضيّ وكأنه يتباهى ويتبختر ومن حوله النجوم معجبات كثيرات..لكنهن جميعا بعيدات عنه وكأن نوره يذهب بلبّ القريبات فيصرن إلى العدم..ويظلّ هو مستأثرا بمحطّ أنظار البشر..أهي أنانيه منك أيها القمر..؟أم هو غرور الجمال..؟تغنّى بك الشعراء وهام بك العاشقون..رأوا في صفحتك الفضيّة صورة الحبيب،ودمعة المتيم،ولهفة العطشان..هم يعلمون انك حجارة صماء..وكوكب أجرد..مع أنّ نورك يغشي العينين عن كل حقيقة أخرى،وكأن المرء فينا يتلذذ أحيانا باحتجاب الحقيقة عن مرآه ويرى في ذلك راحة كبرى.

استيقظت على تغريد عصفوري الحب في قفصهما الذهبيّ المعلّق على حائط الشرفة،كانت الشمس تبتسم لي بخفر العذاري وتسلّم على العصفورين بأشعة تعكس لونهما الأخضر والأصفر في تناغم بهيّ ،شعرت بأوصالي مهدودة من النوم على الكرسيّ،مازالت الساعة السابعة إلا أنّ شوقي للذهاب إلى الجامعة في يومها الأول جعلني في نشاط وحيوية،أعددت طعام الفطار لي ولجدتي التي ظلّت كعادتها صاحية منذ صلاة الفجر..توجّه إبرة المذياع إلى كل إذاعة تحظى منها بشيء من مواعظ وعبر دينية وآيات قرانيه تصغي إليها بكل اهتمام،مصادقتها للمذياع وشرائط التسجيل الدينية قد حشت ذاكرتها بما لا يعرفه كثير من المثقفين،ولطالما ألجمت لساني بفصاحة كلامها..مع اميتها البكماء.

وما إن رتبت ثم تهيأت للذهاب حتى وافتني علا،ودخلت وهي تقول:
ــألم تنتهي بعد..؟؟قلب في الثلاجه..!
التفت إليها وقلت بابتسام..مالذي جاء بك..؟أجابت فورا بطرافة..قدماي..!
ـدعينا نشرب كأسا من الشاي قبل ذهابنا ،مازال الوقت باكرا،وفي كل الأحوال ليس هناك محاضرات قبل أسبوعين على الأقل ..مجرد اطلاع على الكليه وشعور بالألفه مع جدرانها..!

ــ دعينا من فلسفتك وأعدّي الشاي إذن في الحال..
ودخلت جدتي بثوبها الفضفاض الطويل وشالها الأبيض المسدل على اكتافها بكل وقار..كانت البشاشه تملأ وجهها المنير،تناولت السبحه من يدها واعطيتها لعلا ..خذي ..سبذحي عن جدتي قليلا ريثما أعدّ الشاي ،أريد أن أرتاح من المذياع الذي في داخلك!

كانت الجامعه في هرج ومرج ،وعند الكليه انتابتني قشعريرة أمام هذا الصرح الجميل القديم..ومن ثم أحسست بنشوة عارمة ،فالجو يوحي بالفضول ،وراودني الخوف ايضا ..كيف سأستطيع بسذاجتي أن أجتاز شرخ حياتي ،إن اخترت عباب هؤلاء الطلبه وكوّنت صداقات جديدة ،وأن أحمي نفسي من الترهات؟؟

ــ علا..ما شعورك وأنت تطئين أرض الكلية تحت هوية طالبة جامعيه في كلية الآداب قسم اللغة العربية..؟

ــ أمل..ما رأيك ان نبحث عمّن يبيعنا عصيرا مثلجا..؟؟!..بالله عليك ..ألا يتوقف احساسك عن التدفق ولو للحظة..؟!

رغم تهكمها واستهزائها الدائمين بكلماتي وتعابيري إلا انني أحبها ،وادرك جيدا أنها تبادلني المحبة بصدق ،أشعر كأن كلماتها أوراق شجر خريفية تتناثر على صفحة ماء زجاجية ..فتزيدها جمالا على جمال ..وقفت أمام البائع لتشتري العصير ..حشمتها أنيقة ..بشرتها خليط من سمرة الريف ورفه المدينة..عيناها الواسعتان تبرقان بألف شعاع ..وفي وجنتها يتقد الدم لايعرف السكون ..كتلة من التوهج والمرح .ظروفها ليست خيرا من ظروفي..فقدت ابويها ،قتلا في ظروف غامضة عصيبة ،حققوا في الجريمة التي طوي ملفها سريعا ..بعد ما سجلت بأسم مجهول.

كانت ثالثة ثلاثة أخوات،وهي أصغرهن.رعى عمّها في القرية أختيها،ثم زوجهما من ولديه..ورقد رقدته الأخيرة قرير العين.

أما علا التي كانت في أشهرها الأولى فقد نشأت في المدينة عند خالتها ،أرضعتها مع ابنها وهو يقاربها في العمر..وهكذا ترعرعت علا مع إخوتها الصبية الخمسة وهي البنت الصغرى الوحيدة ،تفانت خالتها في العناية بها،وحاولت أل تميز بينها وبين أولادها ،ولعلّ ما ساعدها في ذلك حاجتها الداخلية إلى أنثى بعد خمسة ذكور.ومع الأيام طوى الزمان الجروح ،وغدت حياة علا كحياة كل الفتيات في كنف أسرهنّ لولا أن لقب أسرتها يختلف.

ــ أمل ..ما رأيك أن تأتي معي المنزل لنأكل ؟أشعر بالجوع الشديد .

ــ ماذا أمنذ البداية ..؟دوام الجامعة طويل وهذا أمر لا ينتهي ..يجب ان تروضي نفسك على الجوع.

ــ يجب ان تعرفي انني فتاة بريّة لا أروّض..هيا بنا الى المنزل وإن شئت لا تأكلي أنت فلك ذلك ،ستوفرين عليّ تنظيف صحنك على الأقل..!

فتحت علا الباب بالمفتاح ،حيث لا أحد في المنزل غير أمها ،أخواها الكبيران متزوجان والبقية في العمل أو في الجامعة،دخلنا على رؤوس الأصابع لنفاجئ امها..ففاجأني شاب،فغرت فمي ورجعت القهقرى،التفتت علا ونادت:غيث..أنت هنا..؟

أحمّر وجهه وقال مرتبكا:عدت من الجامعة ..واستأنف يقول:ولكن لم تمشيا كاللصوص؟؟

شعرت بخجل شديد وتمنيت لو أنني لم آت مع علا إلى هذه الوليمة الساخنة دخلنا الغرفة وجلست على الأريكة ألتقط أنفاسي بعد أن بقينا وحدنا ..سارعت علا ووضعت يدها على وجنتي.

ــ ويحي..أربعون هنا..وأربعون هناك..موجة حر شديدة قد تودي بي الى الهلاك!

ــ كفاك هراء..أحضري الطعام بسرعة لا أريد أن أتأخر.

خفق قلبي وشعرت بالحراج...إنها المرة الأولى التي التقي فيها بأخيها غيث..طالب في السنة الرابعة في كلية الحقوق لم اتوقّع اللقاء بهذه الصورة المباغتة!لمحت علا بنظرات ماكرة إلا أنني أوصيتها أن تترك الأمور على عفويتها وتتركني أتقبّل الواقع
كما جاء بي من أحداث،وبرغم عواطفي الجياشة كما تقول علا إلا نني أستأثر بها ولا افكر ببعثرتها هنا وهناك،التزامي وحشمتي يردعاني عن كل تصرف طائش.

 

 


التعديل الأخير تم بواسطة ican........but ; 20-02-2006 الساعة 10:56 PM.
ican........but غير متصل   رد مع اقتباس