لديّ هذه القصة وقد قرأتها وأعجبتني كثيرا وأردت أخذ رأيكم فيها .....وهاهي القصة بين ايديكم...الفصل الأول....
...رن جرس الهاتف..كنت أجلو الصحون في غمرة من أعمال التنظيف حين سمعت زغردة بأوتار صوتيه هرمة..هرولت إلى جدتي ورغوة سائل الجلي تتراقص في يديّ.."هل صدرت النتائج..؟من كان على الهاتف..؟"تلألأت الدموع في عينيها الصغيرتين وراحت تقول بصوت شجي.."إنها صديقتك علا..لقد نجحتما..!"بعبث المراهقين ضممت جدتي إلى صدري وبللت ثيابها برغوة الصابون دون أن تشعر هي ولا اقصد أنا اتصلت سريعا بصديقتي علا وتأكدت من الخبر ورحت أثرثر معها كالعادة وعقارب الساعة تمر دون أن تأبه بنا..إنها صديقتي المقربة..اعرفها منذ ثلاث سنوات ..بدأت صداقتنا على المقعد الأول في الصف.. ثم انتهى بأنسحاب أحدى الطالبات المسالمات من المقعد الذي تركته لنا كلتينا ..ثم ازدادت يوما بعد يوم، واستحكمت صداقتنا ..ذاع صيتنا في المدرسة، وصار من حولنا يلقبنا بالثنائي المدهش..لم يعد يتطرق الان الى خيالي موقف من مواقف الدمدرسة إلا وعلا تسبقه حضورا في الذاكرة ..كانت جدتي وعلا هما عزائي الوحيد في هذه الدنيا .
ـــ جدتي..سأنهي التنظيف وسأذهب إلى زيارة علا فنتناول حلوان النجاح..!
ـــووالداك!..ألن تخبريهما بهذا الخبر السعيد؟
خمدت فورة الفرح في عيني قليلا،وقلت ...صحيح..لقد نسيت ..؟؟
ـــ هيا إذاً.... اتصلي بأمك وبشريها،ثم بأبيك وقولي له أن يأتي ..لم أراه منذ أسبوع .
تصدقين لم يرني منذ أسبوع ! لقد أعتدت ذلك ..أعتدت أن أرى أبي مره واحدة كل بضعة أيام ، وأن أجتمع بأمي كذلك في الأسبوعين والثلاثة مرة .. حتى في لحظات حيتي السعيدة القليلة لا أراهما قربي.. بل أنا من يسعى لذلك ،لأنه واجبي نحوهما ــ هكذا تدخل جدتي في روعي دائما ــ ولايدفعني إلى ذاك غالبا إلا الواجب !
تقول لي أتصلي بأمك ..ثم أتصلي بأبيك ..لماذا (ثم)؟ لماذا ليست (و)؟لمذا ليست (مع)؟؟لقد حفرت هذه الثم في ذاكرتي ووجداني حتى باتت نقشا اثريا كشيء..من معالمها ..منذ سنين..سنين تقارب سنوات عمري بل تصغرها بعامين،عامين من لم أكن أعي فيهما كأيّ رضيع سوى ثدي أمي وشارب أبي، كنت الطفل الأول والمدلل..الثياب..الألعاب ..الحلويات ،هكذا كانت تحكي لي جدتي التي تولت رعايتي بعد أن فطمت عن حليب أمي ورحت أرضع التشرد والمشاكل ..البؤس والضياع ، كنت كلّما...
توضحت معالم الدنيا في ناظري ، أرى كل طفل يمسك يد أمه بيد ويد أبيه ،اشرئبّ إليهم ..يحادث أمّه تارة ،ويحادث أباه أخرى .. هناك فرق .. خلل ..شرخ كبير في حياتي لماذا لست مثله؟؟ وحين كنت أسأل جدتي لماذا ..لماذا .. لماذا ؟!كانت تضمني إلى صدرها الحنون ،وتشرح لي بلغة لا يستوعبها عقلي الضئيل: "أبواه متزوجان..وأبواك..
كانت الشمس في كبد السماء ترسل أشعتها الوهّاجة..والعرق يتصبب على الجباه..وأصوات الطلبة تملأ الخلاء،كلّ يقدّم أوراقه للتسجيل وفي عينيه تبرق آمال عريضة وكأنه اعتلى صهوة جواد أشهب، وراح يخترق به عباب الأمواج،جميلة هي الدنيا في أعين الشباب..وضّاءة..ضحّاكة،يمتلكون من القوة ما يثني الحديد بأيديهم،ومن الحب ما يصهره بلهيب أحاسيسهم..أما أنا فليس عندي من قوتهم إلاّ الشيء اليسير..ربما لأنني فتاة..ربما لأن ظروف حياتي جعلتني أتقوقع في أعماقي لشعوري بالنقص..لست أدري..!يقولون عني إنني هادئة الطبع،وديعة الملامح،حيّية،قليلة الكلام..إنها سمات فاضلة تطغى على حياتي،واجهت مجتمع المدرسة بأبوين كأبوي..وما كان ذلك بالأمر الهين..كنت أتلقّى حينا نظرات رثاء تكاد تهوي بي إلى الحضيض،وأعود فألوك مراراتي وأرسم ابتسامتي الهادئة رسما يعجز عنه الفنانون،ولئن كنت أتجاهل الأمر وأتصنع الهدوء فإن الجراح تفتك في أعماقي.
وهذه اليوم مرحلة جديدة من مراحل حياتي..فيها انطلاقة إلى الحياة،وتغلغل بالحيوية،وصعود دائم نحو الأفضل..فيها أنني بعد أربع سنوات من الجامعة سأصبح مدرّسة للغة العربية،سأستقلّ بنفسي وأشعر بوجودي،وسأنفق على نفسي..وقد أتابع إلى جانب ذلك الدراسات العليا..ولعل هذا يلملم جراح الماضي ويعوّض ذاك النقص..أحلام كثيرة تراودني كانت بدايتها أوراق التسجيل في الجامعة ونهايتها الحصول على شهادة التخرج..!ومما يزيد سعادتي أن علا سترافقني في هذه المرحلة أيضا وبالقسم نفسه،وهذا ما رفع كثيرا من معنوياتي وجعلني أغبط نفسي أن حالفها الحظ لأول مرة بأمنية تحققت.
انتهينا أخيرا من فوضى الطوابع والأوراق وصخب الحشد و الجموع،افترقت وعلا في الطريق فقد كان عليّ أن أمرّ على امي..أقصد زيارتها..أحيانا أشتاق إليها..وأحيانا كثيرة أشعر أنني بحاجة لها،وأن حكمة جدتي لا تتسع لطيش أحلامي..وربما راودتني رغبة في العيش معها لكن شعوري بالغربة بين زوجها وولديها أخذ يطحنني ويردني بقسوة إلى دار جدتي.
قرعت الجرس ففتحت لي أختي صبا..رحبت بي وسارعت لتناولني كوبا من الماء البارد أطفىء به سعير ظمئي..كيف حالك صبا..؟وكيف استعدادك للمدرسة؟
ـــ جيد..!لكن الدراسة مملّة..مشاهدة القنوات الفضائيهة أكثر متعة..!
دخلت أمي بكلمات الترحيب وقبلات الشوق،أعلمتها أنني كنت في الجامعة أقوم بإجراءات التسجيل..آه..كبرت يابنتي..وها أنت ذي في الجامعة..كم أنا فخورة بك،والله إن فرحتي بك لا تقدر بثمن ياأمل،ادرسي جيدا واجتازي كل مراتب العلم، حققي ذاك يابنتي..علّذلك يعوضك عمّا قصرنا في حقك أنا وأبوك،وانتبهي جيدا هناك أجواء الجامعة ليست صافية دائما،وأنا أعهدك فتاة ملتزمة واعية..أخشى عليك عبث الشباب.
قلت بسذاجة:لاتخافيعليّ يا أمي..فأنا يقظة واعية..!
ــ كيف حال جدتك؟
ــ بخير والحمد لله،كعادتها لا تفارق السبحة يدها،كلّما تسمع نبأ مفرحا عني تقوم فتصلي شكرا لله.
ــ ألا ترين أخوتك وأباك؟..ما أخبارهم؟
ــ كنت عندهم مع جدتي منذ يومين، محمد يستريح من التعب بعد امتحانات الشهادة الاعدادية، ورغد ورهف في المدرسة الابتدائية تمضيان أيامهما في زيارات أمهما التي لا تنتهي..تارة عند جارتها..وأخرى عند أختها..وثالثة عند أمها..وهكذا..ولكن..أين لؤي؟
..مالي لا أراه؟
أجابت صبا بميوعة..إنه في النادي مع أصدقائه، لقد طلبت من ماما أن تسجّلني في النادي لأمارس رياضة النتس لكنها رفضت.. أمل.. أقنعيها.. !
..كيف أقنعها بما لست مقتنعة به..أحيانا أشعر أن أمي وزوجها يفرطان في تدليل صبا ولؤي..وأحيانا أغبط أخويّ هذين، فأشعر أن حياتي هي الفقيرة وليست حياتهما هي الثريّة ليس هو الفقر المادي بقدر ما هو الفقر المعنوي، حاجتي إلى العطف و الحنان اللّذين يغترفان، إنني لأبخس من حق جدتي الشيء الكثير إن قلت إنها تحوجني إلى ذلك.. قد لايكون الأمر بكمية عصير ارتشفه في أي وعاء، بقّدر ما هو في كينونة الوعاء ذاته إن كان كوبا أو كان جرّة أو كان دلو بئر..!
خرجت من منزل أمي بعد أن أصرّت على تناولي الغداء معها فزوجها كان مسافرا في مهمة عمل.فهو وكيل لشركة تنتج الأدوات الكهربائية..تدّر عليه دخلا وافرا، هو ابن خالتها ويحبها منذ زمن..لكن الأقدار فرّقت بينهما وشاءت لها ان تتزوج أبي وتعيش معه في جحيم ــ كما كانت تقول ــ لانعدام المحبة والتفاهم بينهما \، وسافر هو للعمل وحينما عاد وجدها أسيرة لقب مطلّقة تصارعه ويصارعها لعامين كنت خلالهما في رعايتها عند خالي عثمان، رثى ابن خالتها لحالها وهي التي كانت مدار حديث العائلة برقّتها وجمالها..وتأجج فيه حبه الأول.. وواجه كل اعتراضات اهله على زواجه من مطلقّة وهو الأعزب ذو المؤهلات، كان شرطه الوحيد الاّ أنشأ بينهما.. وكان خيارا صعبا وقعت بسببه تحت ضغط أخيها وزوجته واقتنعت بأنها فرصه لا تعوض، وأن قطار الزمن قد يفوتها ،وقد يحيق الندم بها ودخل في روعها أن أبي مسؤول عني كمسؤوليتها وسمعت كثيرا من الكلمات المريرة التي لم تكن بمثل مرارة أن أعيش في كنف زوجة أب ، خصوصا وأنا ما زلت ابنة أعوام اربعة، ثمّ ألهمها الله أن تعهد برعايتي لجدتي وعمتي هدى التي لم تكن قد تزوجت بعد..ثم كان ما كان ...
كنت من قبل ألوم والدتي..فما كان عليها أن تتنازل عني مهما كلّف الأمر..أنا فلذة كبدها..لكنني عندما كنت أراها سعيدة بأسرتها الصغيرة كنت أرتاح أن لم أكن في يوم ما سببا يحرمها هذه السعادة..وعليّ أن أقبل بالحقيقة التي أنا فيها كما يقبل الأعرج عكازه، وضعيف النظر نظارته9..هذا هو قدري الذي لا مناص لي منه...!
وصلت إلى المنزل لأرى جدتي تقول في همس وارتباك:ما الذا أخرك..؛ هناك خطّابات يردن رؤيتك.
ــ جدتي..أنسيت دراستي..؟ أم أنك تريدين الخلاص مني؟
وضعت يديها على ذراعيّ،وبحنان عارم قالت:معاذ الله ..لكنني أريد أن أراك في فستان الزفاف قبل موتي..!ودمعت عيناها.
ــ أطال الله في عمرك..!لكنني خططت لمستقبلي وما زال الوقت باكرا لأمر كهذا..على كل..سأدخل عليهن كيلا أحرجك..أرضيت..؟
وللقصة بقيه نكمل فيما بعد...إلى لقاء قريب ... تحياتي..