أخذ أهل البيت (عليهم السلام) كثرة العبادة عن جدهم الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، فقد تورمت قدماه (صلّى الله عليه وآله) من كثرة الصلاة، حتى خاطبه الجليل تعالى: (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى).
وسئل (صلّى الله عليه وآله): ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
فقال: نعم، ولكن أليس ينبغي أن أكون عبداً شكوراً.
وعلى هذا النهج سار أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وشوهد في صفين يصلي ورده بين الصفين، والنبال تمر على صماخيه كأنها المطر فلا يرتاع لذلك.
ولئن فاتت الإمام الصادق (عليه السلام) معاينة عبادة جدّيه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد شاهد عبادة جده علي بن الحسين (عليه السلام)، الذي أخذت ألقابه من عبادته فصار لا يعرف إلا بزين العابدين، السجاد، ذي الثفنات. وقد تواتر النقل: بأنّه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة.
والإمام الصادق (عليه السلام) غصن من هذه الشجرة المباركة، وفرع لهذه الدوحة العلوية، فلا غرو إن كانت عبادته كعبادتهم (عليهم السلام).
وقد تحدث أهل التاريخ والسير عن عبادته (عليه السلام)، وكتبوا في ذلك الكثير.
قال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي:
هو من عظماء أهل البيت وساداتهم، ذو علوم جمة، وعبادة موفرة، وأوراد متواصلة، وزهادة بينة، وتلاوة كثيرة، يتبع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من بحر جواهره، ويستنتج عجائبه، ويقسم أوقاته على الطاعات بحيث يحاسب نفسه. رؤيته تُذكّر الآخرة، واستماع كلامه يزهد في الدنيا، والاقتداء بهديه يورث الجنة. (مطالب السؤول 2/ 55).
• وقال أبو الفتح الإربلي:
وقف نفسه الشريفة على العبادة، وحبسها على الطاعة والزهادة، واشتغل بأوراده وتهجده وصلاته وتعبده. (كشف الغمة: 240).
• وقال أبو نعيم الأصبهاني:
أقبل على العبادة والخضوع، وآثر العزلة والخشوع. (حلية الأولياء 3/ 192).
• وقال سبط ابن الجوزي:
قال علماء السير: كان قد اشتغل بالعبادة عن طلب الرئاسة. (تذكرة الخواص: 192).
• وقال الأستاذ سيد الأهل في صفته:
يعلم الزهاد زهداً... الخ. (جعفر بن محمد: ص6).
•• نعود فنذكر بعض ما ذكروه من عبادته (عليه السلام):
1ـ قال مالك بن أنس (إمام المذهب المالكي):
جعفر بن محمد اختلفت إليه زماناً، فما كنت أراه إلا على إحدى خصال ثلاث: إمّا مصلٍّ، وإمّا صائم، وإمّا يقرأ القرآن. (تهذيب التهذيب 2/105، حياة الإمام الصادق (عليه السلام) للسبيتي 71، أشعة من حياة الإمام الصادق (عليه السلام) 3/58).
2ـ قال منصور الصيقل:
رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) ساجداً في مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله)، فجلست حتى أطلت، ثم قلت: لأسبّحن ما دام ساجداً، فقلت: (سبحان ربي وبحمده، استغفر الله ربي وأتوب إليه) ثلاثمائة ونيفاً وستين مرة، فرفع رأسه. (أعيان الشيعة 4 ق2/138).
ويجب على أمة فيها مثل جعفر بن محمد الصادق، عبادةً وورعاً، ينبغي لكل فرد منها أن يقيم الفرائض ـ على الأقل ـ ويؤدي ما افترضه الله تعالى عليه من العبادة.
وكان الله في عوننا على اتخاذ هذه السيرة الغراء دليلاً ومرشداً.
سيرته
كل من درس حياة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، وبدء الإسلام، يقطع بأن لسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وما حباه المولى جل شأنه من خلق عظيم، وصفات حميدة، كان لها النصيب الأكبر في الامتداد بالإسلام ونشره بين العالم، فكم من مرة يجتمع فيها (صلّى الله عليه وآله) بزعيم كبير، أو شخص محترم، فما ينفض الاجتماع إلا ويعلن ذلك الرجل إسلامه متأثراً بخلقه وبسيرته (صلّى الله عليه وآله).
وقد أجمع أهل السير على إسلام (عدي بن حاتم الطائي) بعد ما شاهده من أخلاقه (صلّى الله عليه وآله)، وما أبداه معه من الاحترام والإجلال.
وعلى هذا النهج سار أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فكان لسيرتهم أكبر الأثر في نشر الفضيلة بين صفوف المسلمين، وتعليمهم على المثل الرفيعة، ودعوتهم ـ بالعمل ـ إلى الطريق السوي، والنهج المستقيم. وفي هذه الصفحات بعض ما ورد من سيرة الإمام الصادق (عليه السلام).
1ـ بعث (عليه السلام) غلاماً له في حاجة فأبطأ، فخرج (عليه السلام) على أثره لما أبطأ عليه فوجده نائماً، فجلس عند رأسه يروحه حتى انتبه، فلما انتبه قال له أبو عبد الله (عليه السلام): يا فلان ما ذلك لك، تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا منك النهار. (روضة الكافي: 87، الإمام الصادق لأبي زهرة: 82، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 4/47، الصادق للمظفري 1/259، أعيان الشيعة 4 ق2/136، الوسائل 11/211).
2ـ كان ابنه إسماعيل أكبر أولاده، وهو ممن جمع الفضيلة والعقل والعبادة، فكان الصادق (عليه السلام) يحبه حباً شديداً، حتى حسب بعض الناس أنّ الإمامة فيه بعد أبيه، فلما مات وكان الصادق (عليه السلام) عند مرضه حزيناً عليه، جمع أصحابه وقال لهم: المائدة، وجعل فيها أفخر الأطعمة، وأطيب الألوان، ودعاهم إلى الأكل، وحثهم عليه، لا يرون للحزن أثراً عليه، وكانوا يحسبون أنّه سيجزع ويبكي ويتأثر ويتألم، فسألوه عن ذلك فقال لهم: وما لي لا أكون كما ترون، وقد جاء في خبر أصدق الصادقين: (إني ميت وإياكم). (الصادق للمظفري 1/269).
3ـ انقطع شسع نعل أبي عبد الله (عليه السلام) وهو في جنازة، فجاء رجل بشسعه ليناوله، فقال (عليه السلام): أمسك عليك شسعك، فإن صاحب المصيبة أولى بالصبر عليها. (روضة الكافي: 16).
4ـ لما سرحه المنصور من الحيرة خرج ساعة أذن له، وانتهى إلى موضع السالحين في أول الليل، فعرض له عاشر كان يكون في السالحين في أول الليل، فقال له: لا أدعك أن تجوز، فألحّ عليه، وطلب إليه، فأبى إباءً شديداً، وكان معه من أصحابه (مرازم) ومن مواليه (مصادف) فقال له مصادف: جعلت فداك إنّما هذا كلب قد آذاك، وأخاف أن يردّك، وما أدري ما يكون من أمر أبي جعفر، وأنا ومرازم، أتأذن لنا أن نضرب عنقه ثم نطرحه في النهر؟
فقال (عليه السلام): كف يا مصادف، فلم يزل يطلب إليه حتى ذهب من الليل أكثره، فأذن له فمضى، فقال: يا مرازم هذا خير أم الذي قلتماه؟
قلت: هذا جعلت فداك.
فقال: يا مرازم إنّ الرجل يخرج من الذل الصغير فيدخله ذلك في الذل الكبير. (الصادق للمظفري 1/366، قال المظفري (رحمه الله): لعله عنى في الذل الكبير: القتل، والذل الصغير: الطلب والخطاب).
5ـ دخل سفيان الثوري على الصادق (عليه السلام) فرآه متغير اللون، فسأله عن ذلك؟ فقال: كنت نهيت أن يصعدوا فوق البيت، فدخلت فإذا جارية من جواريي ممن تربي بعض ولدي قد صعدت في سلم والصبي معها، فلما بصرت بي ارتعدت وتحيرت، وسقط الصبي إلى الأرض فمات، فما تغير لوني لموت الصبي وإنّما تغير لوني لما أدخلت عليها من الرعب.
وكان (عليه السلام) قال لها: أنت حرة لوجه الله، لا بأس عليك، مرتين. (أعيان الشيعة 4 ق2/136، الصادق للمظفري 1/264).
إحسانه وكرمه
إذا ذكر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تبادر الذهن إلى علم غزير، وخلق عال، وشجاعة لا مثيل لها وإحسان وكرم، فكأنهم والفضيلة توأم.
والحديث في هذا الفصل عن كرم الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، وأياديه البيضاء على الأمة، وقد استأثر حديث كرمه وإحسانه بصفحات كثيرة من كتب التاريخ والسيرة، سجلنا منها:
1ـ قال هشام بن سالم: كان أبو عبد الله (عليه السلام)، إذا اعتمّ، وذهب من الليل شطره، أخذ جراباً فيه خبز ولحم ودراهم، فحمله على عنقه ثم ذهب إلى أهل الحاجة من أهل المدينة فقسمه فيهم وهم لا يعرفونه فلما مضى أبو عبد الله (عليه السلام) فقدوا ذلك، فعلموا أنّه كان أبا عبد الله (عليه السلام). (الإمام الصادق لأبي زهرة: 81، الصادق للمظفري 1/259، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 4/38، أعيان الشيعة 4 ق2/140).
2ـ قال سعيد بن بيان: مر بنا المفضل بن عمر وأنا وختن لي نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة، ثم قال لنا: تعالوا إلى المنزل، فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم فدفعها إلينا من عنده، حتى إذا استوثق كل واحد من صاحبه، قال المفضل: أما إنّها ليست من مالي، ولكن أبا عبد الله الصادق أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا أن أصلح بينهما وأفتديهما من ماله، فهذا مال أبي عبد الله. (المناقب 2/345، الصادق للمظفري 1/267، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 2/35، وأشار إليها الأستاذ أبو زهرة في كتابه الإمام الصادق: ص81).
3ـ قال له الرجل من أصحابه: جعلت فداك بلغني أنك تفعل في عين زياد ـ اسم ضيعة له ـ شيئاً أحب أن أسمعه منك.
فقال (عليه السلام): نعم، كنت آمر إذا أدركت الثمرة أن يثلم في حيطانها الثلم ليدخل الناس ويأكلوا، وكنت آمر أن يوضع عشر بنيات يقعد على كل بنية عشرة كلما أكل عشرة جاء عشرة أخرى يلقى لكل منهم مدّ من رطب. وكنت آمر لجيران الضيعة كلهم الشيخ والعجوز والمريض والصبي والمرأة، ومن لا يقدر أن يجيء، فيكال لكل إنسان مد فإذا وفيت القوام والوكلاء أجرتهم، أحمل الباقي إلى المدينة ففرقت في أهل البيوتات والمستحقين على قدر استحقاقهم، وحصل لي بعد ذلك أربعمائة دينار، وكان غلتها أربعة آلاف دينار. (الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 4/39).
4ـ أغمي عليه عند موته فلما أفاق، قال: أعطوا الحسن ـ الأفطس ـ سبعين ديناراً، وأعطوا فلاناً كذا. فقيل له: أتعطي من حمل عليك الشفرة يريد قتلك؟!
فقال (عليه السلام): أتريد أن لا أكون من الذين قال الله عز وجل: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) إن الله تعالى خلق الجنة فطيّبها وطيّب ريحها، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة ألفي عام، ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم. (المناقب 2/345، مثير الأحزان: 250، غرر الغرر: 50، أعيان الشيعة 4 ق2/225).