بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على فاطمة و أبيها وبعلها وبنيها و السر المستودع فيها والعن ظالميها وغاصبي حقها إلى قيام يوم الدين
سنستعرض في هذا الموضع بعض المواضيع المرتبطة بالسيدة الزهراء عليها السلام من منظور الإمــام الخامنائي حفظه الله وهي مقتبسه من كتاب للسيد تحت عنوان :
" إنسان بعمر 250 عاماً "
بسم الله نبدأ مع الحلقة الأولى للموضوع
المكانة المعنوية للزهراء عليها السلام
الصابرة الممتحنة
إنّ فيوضات السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام لا تنحصر بمجموعة صغيرة تُحسب كمجموعة محدودة في مقابل مجموعة الإنسانية. لو أنّنا نظرنا بنظرة واقعية ومنطقية، فإنّ البشرية مرهونة لفاطمة الزهراء عليها السلام ، وليس هذا جزافاً، إنّها حقيقة، كما أنّ البشرية مرهونة للإسلام والقرآن ولتعاليم الأنبياء عليهم السلام والنبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم . وقد كان هذا الأمر دوماً على مرّ التاريخ وهو اليوم كذلك، وسوف يزداد تألّق نور الإسلام فاطمة الزهراء وسوف تتلمّس البشرية ذلك. ما لدينا من تكليف ووظيفة في هذا المجال، هو أن نجعل أنفسنا لائقين للانتساب إلى هذه العترة. وبالطبع إنّ الانتساب لعترة الرسالة وأن نكون من جملة التابعين لهم والمعروفين بولايتهم أمرٌ صعبٌ، حيث نقرأ في الزيارة أنّنا أصبحنا معروفين بمحبّتكم، وهذا ما يلقي على كاهلنا تكليفاً مضاعفاً.
إنّ هذا الخير الكثير الّذي أعطاه الله تعالى في سورة الكوثر المباركة كبشارة للنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وقال ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، حيث إنّ تأويله هو فاطمة الزهراء عليها السلام ، في الحقيقة هو مجمع جميع الخيرات الّذي سوف ينزل يوماً بعد يوم من منبع الدين النبويّ على كلّ البشرية والخلائق. لقد سعى الكثيرون من أجل إخفائه وإنكاره ولكنّهم لم يتمكّنوا ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. يجب علينا أن نقرّب أنفسنا إلى مركز النّور هذا، وإنّ لازم وخاصية هذا التقرّب هو التنوّر. يجب علينا أن نصبح نورانيّين من خلال العمل، لا بواسطة المحبّة الفارغة، العمل الّذي تمليه علينا هذه المحبّة وتلك الولاية وذاك الإيمان ويطلبه منّا، بهذا العمل يجب أن نصبح من هذه العترة والمتعلّقين بها. ليس من السهل أبداً أن يصير المرء قنبراً في بيت عليّ عليه السلام ، ليس من السهل أن يصبح الإنسان "سلمان منّا أهل البيت". نحن مجتمع الموالين وشيعة أهل البيت عليهم السلام نتوقّع من هؤلاء العظماء أن يعتبروننا منهم ومن حاشيتهم. "فلانٌ من ساكني تربة عتباتنا"، قلوبنا تريد أن يحكم علينا أهل البيت بهذه الطريقة وليس هذا الأمر سهلاً، ولا يحصل بمجرّد الادّعاء. إنّ هذا يستلزم العمل والإيثار والتشبّه والتخلّق بأخلاقهم.
انظروا إلى هذه السيدة الجليلة في أيّ سنٍّ حازت على كلّ هذه الفضائل، في أيّ عمرٍ برزت فيها كلّ هذه التألّقات، في عمرٍ قصير لم يتجاوز 18 سنة، 20 سنة، 25 سنة بحسب اختلاف الروايات. وكلّ هذه الفضائل لا تحصل عبثاً، "امتحنك الله الّذي خلقك قبل أن يخلقك، فوجدك لما امتحنك صابرة"4، فإنّ الله تعالى قد امتحن زهراء الطهر، وهي المصطفاة من عباده. إنّ النظام الإلهيّ هو نظام يعتمد على الحساب والكتاب، وما يمنحنا إيّاه إنّما يكون محسوباً بدقّة. إنّه يعدّ كلّ هذا الإيثار والمعرفة والتضحية الخاصّة (وهي من عبيده الخواص)، في سبيل الأهداف الإلهيّة، لذلك جعلها مركز فيوضاته.
في رواية أن سطوع نور فاطمة الزهراء عليها السلام أدّى إلى أن تنبهر عيون الكروبيين من الملأ الأعلى، "زهر نورها لملائكة السماء" فماذا نستفيد نحن من هذا النور والسطوع؟ ، يجب علينا الاهتداء بهذا النجم الساطع إلى الله وإلى طريق العبودية الّذي هو الصراط المستقيم، الّذي سلكته فاطمة الزهراء عليها السلام ، فوصلت إلى تلك المدارج والمقامات العالية. وإن جعل الله طينتها طينة متعالية، فلأنّه كان يعلم أنّها تخرج مرفوعة الرأس من الامتحان في عالم المادّة والناسوت "امتحنك قبل أن يخلقك فوجدك لما امتحنك صابرة"
، هذه هي القضية. فالله تعالى إذ تلطّف بلطفه الخاصّ على تلك الطينة، فجانب من القضية هو أنّه يعلم بأنّها تخرج مرفوعة الرأس من الامتحان، وإلا فإنّ الكثيرين كان لديهم طينة طيّبة، لكن هل تمكّن الجميع من الصبر على الامتحان؟ هذا جانب من حياة الزهراء عليها السلام الّتي نحتاج إليها لنجاة أنفسنا، فالحديث ورد من طريق الشيعة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة عليها السلام : "يا فاطمة اعملي فإنّي لا أغني عنك من الله شيئاً"، أي يجب عليك أن تفكّري وتهتمّي بنفسك، فكانت تهتمّ بنفسها منذ صغرها وإلى نهاية عمرها القصير.
كيف كانت حياتها؟ كانت إلى ما قبل الزواج حينما كانت فتاة، تعامل أباها، وهو على ذلك القدر من العظمة، بحيث كنّيت بـ "أمّ أبيها". في الوقت الذي كان نبيّ الرحمة والنور ومؤسّس الحضارة الحديثة والقائد العظيم للثورة الخالدة يرفع راية الإسلام. وما كنّيت بـ "أمَ أبيها" اعتباطاً، فقد كانت الزهراء إلى جانب أبيها، تزيل بيديها الصغيرتين غبار الحزن والغمّ عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، سواء في مكّة أم في شعب أبي طالب مع كل شدائدهما، أم عندما بقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحيداً مكسور القلب بوقوع حادثتين في فترة قصيرة، هي وفاة خديجة عليها السلام ووفاة أبي طالب عليه السلام حيث أحسّ النبيّ بالغربة. هذا هو منشأ كنيتها بـ "أم أبيها".
لقد كانت السيّدة الزهراء عليها السلام في سنّ سبع سنوات - بشأن تاريخ ولادتها يوجد روايات مختلفة - حين حدثت قضية شُعب أبي طالب. لقد كانت هذه القضية مرحلة صعبة جداً في تاريخ صدر الإسلام، أي أنّ دعوة النبيّ كانت قد بدأت وصارت علانية، وبالتدريج بدأ أهل مكّة - وخصوصاً الشباب، وبالأخص العبيد - يقبلون ويؤمنون به، ورأى صناديد قريش كأبي لهب وأبي جهل وغيرهما أنّه لا بدّ من إخراج النبيّ وكلّ من معه من مكّة، وهذا ما فعلوه. فأخرجوا عدداً كبيراً منهم وقد بلغوا عشرات الأُسر بما في ذلك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأسرته وأبو طالب نفسه، مع أنّ أبا طالب كان يُعدّ من الوجهاء الكبار . فخرجوا من مكّة ولكن إلى أين يذهبون؟ وصادف أن كان لأبي طالب ملكٌ في بقعة قريبة من مكّة - لعلّها تبعد عدّة كيلومترات في شعاب جبلٍ،
يُدعى شُعب أبي طالب. كأنّه عبارة عن تلّة صغيرة، فقال لهم أبو طالب فلنذهب إلى هذه الشعب. فكِّروا في هذا الأمر! النهارات في مكّة شديدة الحرارة، والليالي في غاية البرودة، فهذا وضعٌ لا يمكن أن يُتحمّل. فقد عاشوا طيلة ثلاث سنوات في هذه الشعب. فكم تحمّلوا من جوعٍ وصعابٍ ومحنٍ، الله وحده يعلم. فمن المراحل الصعبة لحياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كانت هذه الشعب. ولم تكن مسؤولية النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المرحلة منحصرة في القيادة بمعنى إدارة مجموعة، بل كان عليه أن يتمكّن من الدفاع عن عمله أمام هؤلاء الّذين كانوا واقعين في المحنة.
نلقاكم في الحلقة القادمة وتتمة للمكانة المعنوية للسيدة الزهراء عليها السلام في دعة الله