ثمّ أستفيق على كدر من النفس، تنبّهني قائلةً لي: يا عبدالله، كيف ضمنتَ أن تبقى سنةً أُخرى حتّى يكون اللقاء ؟!
ومن أين علمت أنّك في العام القابل من الأحياء، لا من الأموات ؟! أجَل والله، فلعلّي بعد ساعة أو أقلّ أكون
في عِداد الراحلين عن الدنيا، فلا أُدرك ذلك الموعد المؤنس مع الحبيب الراحل!
وتغتمّ نفسي مرّة أخرى، وكادت أن تنفجر بالبكاء والنحيب، أو أن تبوح بصرخة حزن عميق، إلاّ أنّ المودِّع العزيز
عاد يؤمّلها أن يكون لها الأنيس الشفيع إن هي تابت توبة نصوحاً، وهجرت الذنوب هجرة قاطعة، وسارت نحو
الله جلّ وعلا، ولازمت حبّ آل الله، محمّدٍ وأهل بيته أحبّاء الله.
إنّه شهر رمضان الحبيب، ها هو يودّعنا، بعد أن زارنا فنعِمْنا بنفحاته القدسيّة، وعشنا معه ساعاتٍ كريمةً طيّبة، فكان أنيسنا
المبارك، إذ شغلَنا بذكْر الله جلّ وعلا في تلاوةٍ لأيات شريفات، وترتيلٍ لأدعية مأثورات، وصرفَنا عن كثير من الذنوب،
وستر علينا جملة من العيوب، وأطلَعنا على آفاق مشرقة من الغيوب.. من معانٍ سامية في كتاب الله، وحالات
روحية في عبادة الله.
فسلام عليك يا شهر الله، يا عيد الروح، ويا أبرّ الأصحاب وإن رحلْت، ويا أعزّ مودَّع من أيّام العمر، يا من أدخل
البهجة بلقياه، وترك الوحشة والحزن بفراقه.. نرجوك ألاّ تغيب عنا وإن كان منك سفر، دَعْك تعيش في ضمائرنا وقلوبنا
حتّى نلقاك أو تلقانا ونحن على العهد، فإن عدتَ وكنّا من الأحياء وجدتَنا على وفائنا منتظرين لك مفترشين أيدينا
لاستقبالك، واستهلال هلالك.. وإن عدت ولم نكن من الأحياء، فأملنا أن تلفانا مرحومين لا محرومين،
راجين لا يائسين، فقد علّمتْنا مناجاتُك أن نعقد الآمال على رحمة الله ولطفه، لا على أعمالنا