بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين .
قوله تعالى: «إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات و الأرض» الشهر كالسنة و الأسبوع مما يعرفه عامة الناس منذ أقدم أعصار الإنسانية، و كان لبعضها تأثيرا في تنبههم للبعض فقد كان الإنسان يشاهد تحول السنين و مرورها بمضي الصيف و الشتاء و الربيع و الخريف و تكررها بالعود ثم العود ثم تنبهوا لانقسامها إلى أقسام هي أقصر منها مدة حسب ما ساقهم إليه مشاهدة اختلاف أشكال القمر من الهلال إلى الهلال، و ينطبق على ما يقرب من ثلاثين يوما و تنقسم بذلك السنة إلى اثني عشر شهرا.
و السنة التي ينالها الحس شمسية تتألف من ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما و بعض يوم لا تنطبق على اثني عشر شهرا قمريا هي ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما تقريبا إلا برعاية حساب الكبيسة غير أن ذلك هو الذي يناله الحس و ينتفع به عامة الناس من الحاضر و البادي و الصغير و الكبير و العالم و الجاهل.
ثم قسموا الشهر إلى الأسابيع و إن كان هو أيضا لا ينطبق عليها تمام الانطباق لكن الحس غلب هناك أيضا الحساب الدقيق، و هو الذي أثبت اعتبار الأسبوع و أبقاه على حاله من غير تغيير مع ما طرأ على حساب السنة من الدقة من جهة الإرصاد، و على حساب الشهور من التغيير فبدلت الشهور القمرية شمسية تنطبق عليها السنة الشمسية تمام الانطباق.
و هذا بالنسبة إلى النقاط الاستوائية و ما يليها من النقاط المعتدلة أو ما يتصل بها من الأرض إلى عرض سبع و ستين الشمالي و الجنوبي تقريبا، و فيها معظم المعمورة و أما ما وراء ذلك إلى القطبين الشمالي و الجنوبي فيختل فيها حساب السنة و الشهر و الأسبوع، و السنة في القطبين يوم و ليلة، و قد اضطر ارتباط بعض أجزاء المجتمع الإنساني ببعض سكان هذه النقاط - و هم شرذمة قليلون - أن يراعوا في حساب السنة و الشهر و الأسبوع و اليوم ما يعتبره عامة سكان المعمورة فحساب الزمان الدائر بيننا إنما هو بالنسبة إلى جل سكان المعمورة من الأرض.
على أن هذا إنما هو بالنسبة إلى أرضنا التي نحن عليها، و أما سائر الكواكب فالسنة - و هي زمان الحركة الانتقالية من الكوكب حول الشمس دورة واحدة كاملة - فيها تختلف و تتخلف عن سنتنا نحن، و كذلك الشهر القمري فيما كان له قمر أو أقمار منها على ما فصلوه في فن الهيئة.
فقوله تعالى: «إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا» إلخ ناظر إلى الشهور القمرية التي تتألف منها السنون و هي التي لها أصل ثابت في الحس و هو التشكلات القمرية بالنسبة إلى أهل الأرض.
و الدليل على كون المراد بها الشهور القمرية - أولا - قوله بعد: «منها أربعة حرم» لقيام الضرورة على أن الإسلام لم يحرم إلا أربعة من الشهور القمرية التي هي ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب، و الأربعة من القمرية دون الشمسية.
و ثانيا: قوله: «عند الله» و قوله: «في كتاب الله يوم خلق السموات و الأرض» فإن هذه القيود تدل على أن هذه العدة لا سبيل للتغير و الاختلاف إليها لكونها عند الله كذلك و لا يتغير علمه، و كونها في كتاب الله كذلك يوم خلق السماوات و الأرض فجعل الشمس تجري لمستقر لها، و القمر قدره منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر و لا الليل سابق النهار و كل في فلك يسبحون فهو الحكم المكتوب في كتاب التكوين، و لا معقب لحكمه تعالى.
و من المعلوم أن الشهور الشمسية وضعية اصطلاحية و إن كانت الفصول الأربعة و السنة الشمسية على غير هذا النعت فالشهور الاثنا عشر التي هي ثابتة ذات أصل ثابت هي الشهور القمرية.
فمعنى الآية إن عدة الشهور اثنا عشر شهرا تتألف منها السنون، و هذه العدة هي التي في علم الله سبحانه، و هي التي أثبتها في كتاب التكوين يوم خلق السماوات و الأرض و أجرى الحركات العامة التي منها حركة الشمس و حركة القمر حول الأرض و هي الأصل الثابت في الكون لهذه العدة. ( تفسير الميزان )
مع تحيات ابوعلي