![]() |
تجاوز حدود التخصص
لعلَّ أكثر من ينبغي له الصمت حين الجهل وعدم المعرفة هو المتخصص، ذلك أنَّه أقدر الناس على استيعاب أنَّ الثقافة وحدها قد لا تكون كافية لأن يدلي بدلوه منتقداً أو لائماً ما اعتقد أنَّه يستحق النقد واللوم خارج تخصصه، ولا شك أنَّ الأطباء والمهندسين كانوا ولا زالو النفر الذين يعتزون كثيراً بتخصصاتهم وينزلون في أحيانٍ كثيرة شتى أصناف اللوم والعتاب لمن تسول له نفسه التحدث حول تخصصاتهم بما لا يعيه ويفهمه، من هنا كان لزاماً عليهم من باب «لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثله» أن يلتزموا سبيل الإستفهام لا الإستنكار والنقد نحو ما لا يفقهوه خارج تخصصاتهم.
لا شكَّ أنَّ التطرف كان ولا زال المفهوم الذي يعتقد الكثير من النَّاس أنَّه سبب رئيسي من أسباب الإرهاب بشتى أنواعه، ذلك أنَّه يصنع الكثير من المبررات للنيل من الآخر المختلف، الأمر الذي يجعل من المجتمع مجتمعاً متراشقاً يسوده الضغائن والبغضاء، ولا شك أنَّ مجتمعاً كهذا هو مجتمعٌ مريض ويحتاج للعلاج الذي أولى بالقيام بمهمته المثقفون الواعون الذين يدركون أولاً -كقاعدة أساسية- أنَّ من أبجديات محاربة التطرف معرفة الإسلوب الصحيح في التعامل مع المخالف في الرأي ومعرفة أنَّ هجاء الآخر المختلف أو السخرية منه هي السبب الأبرز الذي يجعل الآخر يعيد الكرَّة بأقسى منها لتبدأ سلسلة غير منتهية من التراشق لا تنتهي بأي فائدة لأيِّ طرفٍ من الأطراف، فلا المدعي بتطرف الآخر استطاع أن يسهم في تغيير الحال ولا المتطرف بلسان الأول استطاع أن يثبت له عكس ما أراد. إنني أعتقد أنَّ من تجليات التطرف هو المساس بمعتقدات الآخرين والسخرية منها دون مبررٍ وبلا دليل لصاحبه سوى هواه، ويظهر ذلك حينما يحاول دائماً أن ينزِّه رأيه من أيِّ خطأ، فرأيه وحده الصحيح وجميع من سواه يُحتمل فيهم الخطأ والصواب، وهو وحده الحاكم بخطأ غيره، فهو الميزان الفاصل وعقله وحده العقل الراجح، أما بقية خلق الله فهم إما موافقين له أو مختلفين، فالموافق مرحبٌّ به في مملكته، والمخالف له هو من يستحق الكثير من الألقاب السوقية التي يجيدها أهلها، لقد جاء القرآن الكريم وهو المعصوم من كلِّ زللٍ ليعلمنا أنَّ من المهم جداً ترك التعالي على الآخر في الحوار وافتراض أنَّ الآخر المختلف يملك شيئاً من الصواب فتأمَّل الآية المباركة ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ﴾[1] ، فمع أنَّ القرآن يقر بأنَّه الحق المطلق إلاَّ أنَّه يفترض جدلاً أن للآخر حق، وهذا هو أساس الحوار المتين الهادف إلى الإصلاح والتوعية، أما النوع الآخر من الحوار فمن المناسب وصفه بصراع اللديكة. في وقتٍ بدا فيه العالم أكثر إحتراماً للتخصص بدا فيه بعض أفراد مجتمعنا -للأسف الشديد- يوزعون الفتاوى صبح مساء، فهذا يحرِّم ما يبغضه وذاك يبيح ما يشتهيه، والكل مشغولٌ بالآخر فلا الليبرالي فهم أنَّ الآخرين أحرار فيما يصنعوه بأنفسهم ولا المتدين استطاع أن يدرك أنَّ كلَّ شخصٍ إنَّما يلزم بحكم مرجعه، ولا الجميع أقروا أنَّ لغير المقر بعبودية أحد الحرية الكاملة في أن يضرب رأسه بما شاء ومتى شاء إن أراد ذلك،، |
رد: تجاوز حدود التخصص
يعطيك العافية موضوع رائع ومميز
|
| الساعة الآن 01:12 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
ما ينشر في منتديات الطرف لا يمثل الرأي الرسمي للمنتدى ومالكها المادي
بل هي آراء للأعضاء ويتحملون آرائهم وتقع عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وكلماتهم
رحم الله من قرأ الفاتحة إلى روح أبي جواد